تسعون عاماً مضت على ذلك الفجر الأندلسي الحزين في صيف عام 1936، حين انطلقت رصاصات الفاشيين لتغتال الشاعر والمسرحي الإسباني الخالد فيدريكو غارسيا لوركا بين أودية “فيثنار” و“ألفاكار” بمحيط غرناطة. غاب الجسد في عتمة الأرض المقفرة دون قبرٍ معلوم، لكن تلك الرصاصات الغادرة التي ظنت أنها تخرس صوتاً حرّاً، لم تزد لوركا إلا خلوداً وانتشاراً، إذ تحوّل من ضحية مأساة عابرة إلى رمز عالمي ملهم للجمال في مواجهة البطش، ولأغنية الحرية التي تكسر جدران السجون وتتجاوز المعتقلات والأزمنة.
قصائد الغجر
ولد لوركا عام 1898 في بلدة “فوينتي باقيروس” الأندلسية، ونشأ في أحضان طبيعة غرناطة الساحرة حيث تشرّب منذ طفولته عبق التاريخ العربي والتراث الإسلامي والأندلسي المتجذر في تفاصيل المكان. تآلف وجدانه مع الغناء الشجي والغزير بالغجر (الكاني خوندو)، ليتشكّل إبداعه على إيقاع الفن الشعبي الشفاهي الممتزج بالنزعة الحداثية التجديدية. أطلق شرارة عبقريته الشعرية في ديوانه الشهير “قصائد الغجر” (Romancero Gitano)، الذي جسَّد فيه صوت المهمَّشين والمعذَّبين والفقراء بأسلوب أسطوري ساحر. لم يكن لوركا مجرد عازف على قيثارة الشعر، بل كان طاقة إبداعية شاملة ومحوراً رئيساً لـ “جيل الـ 27″ الأدبي، الذي أحدث انقلاباً جمالياً وفكرياً في الثقافة الإسبانية وأعاد ترتيب علاقة اللغة بالواقع والرمز.
مع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية والانقلاب العسكري صيف 1936، رفض لوركا النجاة بنفسه ومغادرة وطنه، واختار العودة إلى مدينته الأثيرة غرناطة
الغوص في أعماق النفس البشرية
ولم تقتصر عبقرية لوركا على حدود الشعر، بل امتدت لتحدث ثورة في عالم المسرح، الذي كان يراه “جامعة الشعب ومدرسته الأخلاقية“. أسس فرقة “لا باراكا” المسرحية السيّارة ليتجوّل بها في القرى الإسبانية النائية، مصدّراً الثقافة والفن الجاد إلى عامة الناس والفلاحين البسطاء. وفي ثلاثيته المسرحية التراجيدية العظمى “عرس الدم“، “يرما“، و“بيت برناردا ألبا“، غاص في أعماق النفس البشرية مفككاً سلطة القمع الاجتماعي، والكبت الأسري، والصراع الأبدي بين التوق إلى الحرية الفردية وبين الموضوعات الاجتماعية القاسية والتقاليد الصارمة. وفي المقابل، شكلت رحلته إلى الولايات المتحدة تحوّلاً راديكالياً في رؤيته الحضارية، حيث أنتج ديوانه الفذّْ “شاعر في نيويورك“، صرخ فيه بوجه التوحش المادي للرأسمالية والتمييز العنصري ضد الأفارقة والفقراء، منتصراً للإنسان المستلب في الغابات الإنسانية المعاصرة.
أثر عابر للقارات
ومع اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية والانقلاب العسكري صيف 1936، رفض لوركا النجاة بنفسه ومغادرة وطنه، واختار العودة إلى مدينته الأثيرة غرناطة؛ غير أن انحيازه الدائم للمهمّشين والفقراء، وتمرده الفكري، وجرأته الإبداعية جعلت منه هدفاً مباشراً لقوات الانقلاب الفاشي. اُعتقل لوركا في منتصف أغسطس وقُتل رمياً بالرصاص في عتمة الفجر دون محاكمة، ولم يُعثر على جثمانه حتى اليوم، وكأن الأرض أبت أن تحصر مقبرته في بقعة جغرافية ضيّقة، لتجعل من ثراها الأندلسي كاملاً ملاذاً لروحه الخالدة.
ترك لوركا أثراً عميقاً عابراً للثقافات، وكان له حضور استثنائي وخاص في الوجدان والأدب العربي الحديث، حيث غدا في أشعار ونصوص كبار الشعراء العرب—أمثال بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ومحمود درويش، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس—رمزاً للشاعر الشهيد والكلمة التوّاقة للحرية في وجه الاستبداد. اليوم، وفي الذكرى التسعين لاغتياله، يستحضر العالم فيدريكو غارسيا لوركا ليس بوصفه غائباً، بل بكونه حقيقة حيَّة وشعلة متجددة، تثبت للعالم في كل وقت أن العنف قد يصرع جسد الشاعر، لكنه يعجز للأبد عن اغتيال القصيدة.
