لم يكن الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور (1947-2026) الذي رحل عن عالمنا اليوم مجرد رسَّام ينقل تفاصيل المشهد على القماش، بل كان حارس الذاكرة الوطنية وصانع الهوية البصرية التي تختزل صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وتراثه. رحل منصور عن تسعة وسبعين عاماً بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، ترك خلالها أثراً فارقاً في الحركة التشكيلية العربية والفلسطينية، مبتكراً لغة فنية تتجاوز حدود الرسم التقليدي لتلامس روح الأرض وثرى الوطن.
ولد الراحل في بلدة بيرزيت عام 1947، وقضى طفولته بين حقولها وبلدة بيت جالا، ليشهد في سن مبكرة تشكل المأساة الفلسطينية التي أصبحت المحرّك الأساسي لوعيه الفني والفكري. تجلّت عبقريته الفنية في قدرته الاستثنائية على تحويل الرموز التراثية، كالثوب الفلسطيني المطرّز وأشجار الزيتون الشامخة وعيون النساء المثقلة بالحزن والأمل، إلى أيقونات حيّة تحاكي وجدان كل فلسطيني وعربي. وتُعد لوحته الأشهر “جمل المحامل”، التي أنجزها في منتصف السبعينيات، المانيفستو البصري للنضال الفلسطيني، حيث جسّد فيها حمّالاً مقوس الظهر يحمل القدس بقبتها الذهبية ومعالمها العتيقة، ليختصر بها ثقل القضية وصبراً لا ينكسر أمام قسوة الاحتلال وعوادي الزمن. ولم يقف منصور عند حدود الريشة والألوان الزيتية، بل اتجه خلال الانتفاضة الأولى نحو خامات البيئة المحلية كالإسمنت والطين والحنّاء والخيش، في فعل فني مقاوم يرمي إلى مقاطعة المستلزمات الفنية الإسرائيلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي الأدبي، ليعيد صياغة التراب نفسه كعنصر تشكيلي أصيل يلتصق بالأرض ذاتها.
إلى جانب منجزه الفني الغزير، كان منصور ركناً أساسياً في تشكيل الأطر الثقافية المؤسسة، إذ ترأس رابطة الفنانين الفلسطينيين، وساهم في تأسيس مركز الواسطي للفنون بالقدس والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، إلى جانب عمله في رسم الكاريكاتير السياسي والتدريس الجامعي، حاصداً جوائز عربية ودولية رفيعة أرفعها جائزة فلسطين للفنون التشكيلية وجائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية وجائزة النيل للمبدعين العرب. وبرحيله، تسدل الحركة الفنية الستار على قامة استثنائية جعلت من الفن وثيقة وجود ورسالة عالمية تخاطب الضمير الإنساني، ليبقى سليمان منصور حاضراً في وجدان أمتنا عبر إرثه الطيني والزيتي الخالد، كفنّان حمل القدس على ظهر حماله ولم يسقط الحمل من يده أبداً.
