في تصريح خاص ب(الكوميونيتا) قال يحيى أبو وطفة رئيس مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية “إن اختيار المهرجان ل«الليل الطويل» ليكون فيلم ختام دورته، جاء في سياق يحمل دلالة تتجاوز ترتيب العروض والبرنامج السينمائي، فالفيلم الذي أخرجه الراحل حاتم علي عن سيناريو لهيثم حقي، عام 2009، ينتمي إلى تلك الأعمال التي تظل أسئلتها مفتوحة بعد انتهاء زمن إنتاجها، وربما تصبح أكثر إلحاحاً حين تتغيّر الظروف السياسية التي أحاطت بها”.
على أنه ليس من قبيل المصادفة أن يعود هذا الفيلم إلى دائرة الاهتمام في هذه المرحلة، فقد ظلَّ موضوعه، أي الاعتقال السياسي وما يتركه من آثار في الإنسان والعائلة والمجتمع، واحداً من أكثر الموضوعات حساسية في سوريا خلال حكم بشار الأسد. ولم يتمكن الفيلم من الوصول إلى جمهور الصالات السورية في ذلك العهد، رغم أنه عُرض في مهرجانات دولية وحصد جوائز، ليصبح في حد ذاته حكاية عن الرقابة والمنع، موازية للحكاية التي يرويها على الشاشة.
حين تصبح الحرية بداية امتحان آخر
تدور أحداث فيلم «الليل الطويل» حول مجموعة من المعتقلين السياسيين أمضوا نحو عشرين عاماً خلف القضبان، وفي ليلة مفصلية، يُبلَّغ ثلاثة منهم بقرب الإفراج عنهم، بينما يبقى رفيقهم الرابع في السجن. تبدو لحظة الخروج، للوهلة الأولى، نهاية سنوات العذاب وبداية استعادة الحياة، لكن الفيلم يقلب هذا التصور، فالحرية لا تعيد الزمن إلى الوراء، ولا تجعل العالم ينتظر السجين حتى يعود.
يخرج المعتقلون إلى واقع تبدّل في غيابهم. الأبناء كبروا، والزوجات واجهن الحياة وحدهن، والعلاقات العائلية أعادت تشكيل نفسها تحت ضغط الغياب الطويل. أما الأصدقاء والأحلام، فقد أخذ الزمن بعضهم وبدّل ملامح بعضها الآخر. وهكذا يصبح الخارج امتداداً مختلفاً للسجن، لا لأن أبوابه مغلقة، بل لأن الذين خرجوا منه لم يعودوا يعرفون تماماً كيف يستأنفون حياتهم.

في هذا البناء الدرامي، لا يكتفي هيثم حقي في سيناريو الفيلم بطرح سؤال سياسي عن الاعتقال، بل يذهب إلى ما هو أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يُنتزع من حياته سنوات طويلة؟ وهل يستطيع أن يعود إلى موقعه القديم داخل أسرته؟ وهل تظل المبادئ التي تمسّك بها في السجن قادرة على الصمود أمام التغيّرات التي طرأت على من تركهم خلفه؟
إنها أسئلة لا تبحث عن إجابات سهلة، ولا تقدم المعتقلين بوصفهم نماذج متشابهة، فلكل شخصية تجربتها وطريقتها في مواجهة الخوف والذاكرة والحرية، ولكل عائلة حسابها الخاص مع الغياب.
حاتم علي: الاقتراب من السياسة عبر الإنسان
تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم في أن حاتم علي لا يتعامل مع الاعتقال بوصفه موضوعاً يحتاج إلى خطاب مباشر أو شعارات جاهزة. إنه يقترب من السياسة من باب التجربة الإنسانية، ويجعل أثر السلطة حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، وفي العلاقات التي تآكلت تحت وطأة الانتظار.
تتجلّى هذه المقاربة في أداء مجموعة من الممثلين السوريين، يتقدمهم خالد تاجا، إلى جانب نجاح سفكوني وسليم صبري وباسل خياط وأمل عرفة، فضلاً عن مشاركة حاتم علي نفسه، وتمنح الشخصيات الفيلم ثقله الوجداني، إذ لا تبدو المأساة محصورة خلف جدران المعتقل، بل تمتد إلى البيوت والذاكرة وإلى حياة أشخاص اضطروا إلى مواصلة العيش في غياب أحد أفرادهم.
ومن هنا، لا يصبح السجن مكاناً مغلقاً فحسب، بل تجربة تتسع آثارها لتشمل المجتمع المحيط بالمعتقل، فالاعتقال لا يسلب الإنسان حريته وحدها، وإنما يفرض على عائلته أيضاً شكلاً آخر من الانتظار، ويعيد توزيع الأدوار والمسؤوليات، ويترك ندوباً لا تزول بالضرورة مع لحظة الإفراج.
فيلمٌ لم تستطع الجوائز أن تفتح له أبواب سوريا
تكتسب حكاية «الليل الطويل» أهمية إضافية عند استعادة ظروف عرضه، فقد استطاع الفيلم أن يعبر إلى مهرجانات وشاشات خارج سوريا، وأن يحصد تقديراً وجوائز دولية، لكنه ظلَّ محروماً من العرض العام داخل بلده، وكانت المفارقة أن العمل الذي صُوّر في سوريا، وتناول تجربة سورية شديدة الحساسية، لم يكن متاحاً لجمهوره السوري في الصالات خلال عهد النظام السابق.
وقد تحدث هيثم حقي في تصريحات صحفية آنذاك عن أن الحصول على موافقة التصوير لم يكن يعني الحصول تلقائياً على ترخيص العرض، وأن الفيلم احتاج إلى موافقة من مستوى أعلى بسبب موضوعه، وهي شهادة تكشف طبيعة الرقابة التي لم تكن تكتفي بمراجعة النص قبل التصوير، بل امتد تأثيرها إلى تقرير ما إذا كان الجمهور يستطيع مشاهدة العمل بعد اكتماله.
في ختام مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية، عاد فيلم «الليل الطويل» إلى الواجهة، لا بوصفه عملاً سينمائياً عن المعتقلين السياسيين فحسب، بل بوصفه شهادة فنية على زمنٍ حاولت فيه الرقابة حجب حكاية السجن عن أصحابها
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، وصل الفيلم أخيراً إلى شاشة دمشق من خلال عرض خاص أُقيم في حزيران/يونيو 2026، بحضور هيثم حقي، في مناسبة استحضرت حاتم علي وتجربته السينمائية. لم يكن ذلك مجرد عرض متأخر لفيلم قديم، بل كان استعادة لعمل حُرم الجمهور السوري من مشاهدته في بلده، وفتحاً لمساحة نقاش حول موضوع ظلَّ طويلاً محاطاً بالخوف والصمت.
من دمشق إلى مالمو: حكاية لا تنتهي عند الشاشة
حين اختير «الليل الطويل» ليكون فيلم ختام مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية، اكتسب عرضه بعداً إضافياً، فالفيلم السوري الذي يتناول الاعتقال والحرية والذاكرة، يجد نفسه أمام جمهور في مدينة أوروبية تحتضن حكايات وتجارب متعددة عن الاقتلاع والمنفى والحق في الحياة والكرامة.
لا يعني ذلك اختزال الفيلم في قراءة واحدة، أو وضع التجربة السورية والفلسطينية في سياق متطابق، فلكل منهما تاريخها وخصوصيتها، لكن السينما تتيح مساحة للتلاقي الإنساني، حيث تستطيع الحكايات القادمة من أماكن مختلفة أن تفتح أسئلة مشتركة عن القهر والغياب والذاكرة والقدرة على استعادة الصوت.
لقد مضت سنوات طويلة على إنجاز «الليل الطويل»، ورحل حاتم علي قبل أن يشهد عودة فيلمه إلى شاشة دمشق، لكن العمل لا يزال قادراً على مخاطبة مشاهدين جدد، لأن موضوعه لا يرتبط بواقعة عابرة أو بمرحلة سياسية انتهت، بل بما يتركه الاعتقال من أثر في مصائر البشر.
وربما تكمن دلالة الفيلم الأعمق في عنوانه نفسه، فالليل قد يطول، وقد تتأخر لحظة الخروج، لكن الحكاية لا تختفي لمجرد أن أبواب العرض أُغلقت. ومن دمشق إلى مالمو، يواصل «الليل الطويل» طرح سؤاله عن الحرية، وعن أولئك الذين خرجوا من السجن ليكتشفوا أن عليهم أن يتعلّموا الحياة من جديد. ربما لا تعود العتمة ذاتها، لكنها قد تكون عتمة أشد وأقسى، وهذا مخاض آخر، نعود إليه في سياقات أخرى .
