ثلاث سنوات مرَّت على رحيل خالد خليفة، وما زلت أشعر أن الحديث عنه لا يليق به أن يكون حديثاً عن الغائبين. ربما لأن صداقتنا تعود إلى أيام الجامعة في حلب، حين عرّفني إليه صديقنا الشاعر الراحل محمد عفيف الحسيني. كان عفيف، رحمه الله، أحد أولئك الأصدقاء الذين يفتحون لك أبواباً لا تعرف كم ستبقى مفتوحة في حياتك. ومن خلاله بدأت علاقتي بخالد، قبل أن تأخذنا الأيام، كلٌّ في طريق، ثم تجمعنا من جديد في محطات بعيدة.
جمعنا منذ البداية شغف الكتب والكتابة، والأحاديث الطويلة، والأسئلة التي لم تكن لها أجوبة جاهزة. ثم حملتنا الأيام إلى بلغاريا، حيث أمضينا معاً نحو عام كامل. سنة واحدة في حساب الزمن، لكنها بقيت في الذاكرة أطول بكثير من عام.
بعد أربعة أشهر رحل خالد، ومنذ ذلك اليوم، صارت تفاصيل اللقاء الأخير أكثر حضوراً: الكلمات، الضحكات، ما قيل وما لم يُقل. وصرت أفكر في قسوة المصادفة التي تمنحنا لقاءً انتظرناه طويلاً، ثم لا تمنحنا بعده فرصة أخرى
بعدها غادر خالد بلغاريا، وتفرّقت بنا السبل، لكن الصداقة لم تنقطع تماماً. كنا نتواصل من خلال طلبتي البلغار في كلية الاستشراق الذين كانوا يتوجّهون إلى دمشق في منح بحثية، فيحملون بيننا الأخبار والرسائل، ويبقون خيطاً رفيعاً من التواصل ممتداً بيننا.

ثم مضت نحو ثلاثة عقود، تغيّرت فيها حياتنا، وكبرنا، وخسرنا أصدقاء، ومضى خالد في طريق الكتابة حتى أصبح واحداً من أبرز الأصوات الروائية السورية والعربية. ثم التقينا من جديد في مانشستر – بريطانيا، قبل رحيله بأربعة أشهر.
كان اللقاء بسيطاً، لكنه أعاد إلينا في لحظات ألفة السنوات القديمة. لم نحتج إلى كثير من الكلام كي نستعيد ما بيننا. فالصداقات الحقيقية لا تحتاج إلى استئناف. إنها تستأنف نفسها. لم أكن أعرف أن هذا اللقاء سيكون الأخير بيننا، وهذا ما يجعل بعض الذكريات مؤلمة إلى هذا الحد: أنك تعيش اللحظة الأخيرة دون أن تعرف أنها الأخيرة.
بعد أربعة أشهر رحل خالد، ومنذ ذلك اليوم، صارت تفاصيل اللقاء الأخير أكثر حضوراً: الكلمات، الضحكات، ما قيل وما لم يُقل. وصرت أفكر في قسوة المصادفة التي تمنحنا لقاءً انتظرناه طويلاً، ثم لا تمنحنا بعده فرصة أخرى، ولذلك أعود إلى الحوار القديم الذي جمعني به، “مديح الكراهية”. أقرأه الآن بعين مختلفة. وسط أسئلة عن المدن والحب والحرب والموت، تأتي إجابته عن سبب الكتابة: “لأخون النسيان.” ربما لم أكن أدرك يومها كم تختصر هذه الجملة خالداً كله.

كان يكتب ضد النسيان، للمدن التي تحترق، وللذين تبتلعهم الحروب، وللوجوه التي يمكن أن تتحوّل في ذاكرة الآخرين إلى أرقام. كان يعرف أن الرواية ليست حكاية فحسب، بل شهادة، وأن الكتابة تستطيع أن تمنح حياة أخرى لمن سلبتهم الحياة كل شيء. وفي نهاية الحوار يأتي السؤال: هل ينتصر الموت دائماً؟ فتأتي إجابته: “ليس حين يبقى أحد ليحكي القصة.”
بعد رحيله، أصبحت هذه الجملة شخصية جداً بالنسبة لي. أنا واحد ممن بقوا ليحكوا شيئاً من قصة خالد. لا أحكي الروائي الكبير فقط، فهذا حاضر في كتبه وفي ذاكرة قرَّائه. أحكي الصديق الذي عرفته في حلب، ورافقته في فصل من شبابه، ثم فرّقتنا الحياة عقوداً قبل أن تجمعنا مرة أخيرة. وربما لهذا يبدو رحيله لي مزدوجاً: فقدان صديق، واستعادة زمن كامل رحل معه. محمد عفيف الحسيني، الذي عرّفني إليه، رحل هو الآخر، وكأن بعض الوجوه التي صنعت ذلك الزمن اختارت أن تتركنا مع الذاكرة وحدها.
بعض الأصدقاء لا يغادرون حين يموتون. يغيّرون فقط أمكنتهم في حياتنا. يصبحون في الذاكرة، في كتاب قديم، في ضحكة، أو في جملة قالوها ذات يوم ولم نعرف أنها ستبقى معنا إلى الأبد.
خالد، يا صديق أيام حلب وصوفيا، ورفيق ذلك العام البعيد: ثلاث سنوات على غيابك، وما زلت أشعر أنك لم تذهب بعيداً. ربما لأنك تركت لنا ما كنت تؤمن به: الكتابة خيانة للنسيان.
وأنا ما زلت أكتب كي لا أنساك.
