في رواية الكاتبة السورية غنوة فضة “أرض الأرجوان“، الصادرة في 2022، لا تبدأ الحكاية من السؤال التقليدي: ماذا حدث في متون وهوامش الرواية؟ بل من سؤال يبدو لنا أكثر تعقيداً، بل يمكن القول إنه السؤال المركب الذي يفترض أن يسأله القارئ الحصيف: ماذا يبقى بعد أن يحدث كل شيء؟ ماذا يبقى من مدينةٍ اجتاحها الغزاة، ومن شعبٍ تبدلت عليه السلطات واللغات والحدود، ومن حبٍّ لم يعد له مكان إلا في الأوراق القديمة التي قد تتطاير هنا وهناك في فصول متعاقبة، ومن ذاكرة مهددة بأن تتحوّل إلى غبار؟ من هذه المنطقة بين الأثر والغياب تبني غنوة فضة روايتها، واضعةً الساحل السوري في قلب لعبة سردية تمتد عبر قرون، وتدفع الماضي إلى مواجهة حاضر لم ينجح في التخلص منه.
“أرض الأرجوان“ ليست رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، رغم ثقل المادة التاريخية فيها، وليست أيضاً رواية حرب معاصرة، رغم أن الحرب تترك على صفحاتها أثراً كثيفاً بيّناً. إنها رواية عن الذاكرة، وهي تحاول أن تنجو من التاريخ، وعن الإنسان وهو يكتشف أن ما يهدده ليس الغزاة وحدهم، بل النسيان الذي يأتي من بعدهم.
الماضي ليس متحفاً
منذ الصفحات الأولى، تضع الكاتبة قارئها في راميتا، على الساحل السوري، عام 299 قبل الميلاد، وسط عالم تختلط فيه الموانئ والقوافل والجيوش والأسواق والآلهة واللغات. ثم تفتح، بالتوازي مع هذه الأحداث، نافذة على الغسانية المعاصرة، حيث الحرب والفصائل المسلحة والموت والنهب تهدد المكان ذاته. المسافتان الزمنيتان تبدوان في البداية متباعدتين إلى أقصى حدّْ، لكن الرواية سرعان ما تكشف أن ما يفصل بينهما أقل مما نتخيّل: الغزاة يتغيّرون، الأسماء تتغيّر، والأيديولوجيات نفسها تتبدّل، لكن سؤال الأرض والذاكرة والنهب يظل قائماً.
هنا تكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في الرواية: الزمن ليس خلفية للأحداث، بل هو أحد أبطالها. الماضي لا يعود بوصفه متحفاً، وإنما بوصفه قوة تضغط على الحاضر. وما يحدث الآن في الغسانية يبدو كأنه صدى بعيد لما حدث قبل قرون في راميتا. التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، والرواية تتعامل مع الذاكرة باعتبارها طبقة عميقة من المكان. كل الغزاة يكتبون فوق طبقة سابقة، وكل سلطة تحاول أن تترك اسمها، بينما تبقى الأرض حاملة لآثار الجميع.

وفي قلب هذا البناء يقف الأرجوان، لا باعتباره مجرد لون أو صبغة تجيء من التاريخ، بل بوصفه استعارة للرواية كلها. الموريكس الذي يصطاده جايون، والأصباغ التي يستخلصها، والمنسوجات التي تتشبّع بذلك اللون، تتحوّل تدريجياً إلى رمز للهوية، وللثروة، وللذاكرة، ولشيء يبدو قابلاً للسرقة لكنه غير قابل للإلغاء. الأرجوان هنا هو ما يقاوم به المكان محاولات محوه، ولذلك فإن عنوان الرواية ليس عنواناً زخرفياً؛ إنه مفتاح دلالي حقيقي يربط الاقتصاد القديم بالهوية، والحرفة بالذاكرة، واللون بالجغرافيا. لكن غنوة فضة لا تحصر هذه الفكرة في رمز واحد. إنها تبني منظومة كاملة من الأشياء التي تتحوّل إلى حوامل للذاكرة: الأصداف، الجرار، المخطوطات، الأختام، العملات، اللوحات، الحفر، والأماكن المخفية، وهذه واحدة من أكثر أفكار الرواية ذكاءً: التاريخ الحقيقي لا يعيش فقط في كتب المؤرخين، بل في الأشياء التي قدّر لها أن تنجو من أيديهم.
مفتاح قراءة
ولعلَّ شخصية إبراهيم ناصيف هي التعبير الأكثر وضوحاًَ عن هذه الفكرة. إنه مؤرخ وباحث لا يتعامل مع الماضي بوصفه مادة أكاديمية باردة، بل بوصفه قضية شخصية. إنه يريد أن يفهم ماالذيحدث، لكن رغبته لا تتوقف عند هذا الحدّْ، فهو يريد أن يعيد وصل الحلقة المفقودة، وحين يعثر على الوثيقة القديمة، لا يرى فيها مجرد اكتشاف أثري، بل فرصة لإعادة كتابة صورة كاملة عن البشر الذين عاشوا على هذه الأرض، والأكثر إثارة هنا أن الوثيقة التي يبحث عنها إبراهيم ليست وثيقة ملوك وحروب، بل قصة حب. وهذا اختيار روائي شديد الدلالة، فغنوة فضة تنقض، من داخل الرواية، فكرة أن التاريخ الرسمي هو وحده القادر على تفسير الماضي. بالنسبة إلى إبراهيم، قد يكون الحب أكثر صدقاً من بيانات الملوك، لأن العاشق لا يكتب لكي يصنع مجد سلطة، بل لكي يحفظ أثر تجربة إنسانية، وهكذا تتحوّل الرسائل القديمة من وثائق هامشية إلى مفتاح لقراءة حضارة بأكملها.
تبدو الرواية شبيهة بعملية تنقيب أدبية. نحن لا نقرأ الحكاية فقط، بل ننقب تحتها بالفراسة. نزيل طبقة من الغبار، فنجد جرَّة، ثم ورقة، ثم اسماً، ثم حباً، ثم جريمة، ثم مدينة كاملة كانت موجودة ذات يوم
في الجهة المقابلة يقف سركيس، الشخصية التي تمنح الرواية بعداً إنسانياً بالغ القوة، فهو ليس مؤرخاً ولا مثقفاً بالمعنى التقليدي، بل خادم شبه أميّْ، يرتبط بإبراهيم بعلاقة تتجاوز الخدمة إلى الصداقة والتكوين، وإسناد وظيفة حراسة الذاكرة إلى شخصية كهذه قرار موفق، لأن الرواية تقول ضمنياً إن حفظ التاريخ ليس امتيازاً للنخب وحدها، وإن المعرفة يمكن أن تعبر من رجل يكتب إلى رجل يتعلَّم، ومن الكتاب إلى اليد التي تحمل الكتاب.
ومن هنا تصبح “غرفة الذعر“ أكثر من مكان للاختباء. إنها واحدة من أفضل الاستعارات المكانية في الرواية. سركيس مختبئ داخل فضاء ضيّق، بينما العالم الخارجي ينهار، ويُقتل إبراهيم وتُنهب مقتنياته وتتحوّل البلدة إلى مساحة من العنف. في الوقت نفسه، توجد غرفة أخرى أقدم في ذاكرة جايون، الحفرة التي أخفاه فيها والده خلال المذبحة. المساحتان المختلفتان زمناً تؤديان الوظيفة نفسها، كما لو أنهما مقاربة سينماتوغرافية: حين يصبح العالم غير قابل للحماية، تتحوّل الذاكرة إلى ملاذ أخير، وهنا تلتقي الرواية مع فكرتها الأكثر قوة: الإنسان لا يستطيع دائماً إنقاذ المكان، لكنه يستطيع محاولة إنقاذ معناه.
حاجة عليا في السرد
جايون ليس مجرّد شاب عاشق وصانع أرجوان. إنه ابن مذبحة، وقد تشكّل وعيه كله حول ذاكرة العائلة التي فقدها، والسر الذي أوكل إليه، والمكان الذي طُلب منه حمايته، ولذلك يصبح حبه لأماليا أكثر من قصة عاطفية. إنها تمثّل، في بعض مستويات الرواية، إمكان الحياة نفسها، الحياة التي تأتي من خارج الجرح، وتحاول أن تستعيد للإنسان قدرته على الرغبة، وفي اللحظة التي يختار فيها جايون التضحية بنفسه، يبدو كأنه يختار الذاكرة على الحياة، أو يختار الوفاء لوعد قديم على احتمالات مستقبل جديد، وهنا أيضاً تكمن إحدى مفارقات الرواية: الذاكرة التي تحمي الإنسان يمكن أن تتحوّل إلى سجن له، فجايون لا يستطيع أن يعيش بالكامل في الحاضر، لأنه يحمل الموت القديم على كتفيه، وإبراهيم لا يستطيع أن يكتفي بحياته الخاصة، لأن الماضي صار بالنسبة إليه مسؤولية. وحتى سركيس، الذي يملك فرصة الهرب، يشعر بأن خيانة ما حمله سيده إليه ستكون شكلاً آخر من الموت. هذه الشخصيات الثلاث ليست متشابهة دائماً، لكنها تشترك في شيء واحد: جميعها تعيش تحت سلطة الماضي، أما الحرب المعاصرة في الرواية، فليست مجرد إطار درامي. إنها الاختبار الحقيقي لفكرة الذاكرة. حين تُحرق الكنيسة، وتُنهب الأراضي والكروم، ويُقتل الناس، ويختفي إبراهيم، لا يعود الحديث عن التاريخ ترفاً ثقافياً. يصبح الحفاظ على الأوراق والمقتنيات والمخطوطات فعل مقاومة، وهنا تقترب الرواية من سؤال شديد المعاصرة: ماذا يحدث عندما يكون أول ما يفعله العنف هو تدمير الأشياء التي تقول إن الآخرين كانوا هنا؟ لكن الرواية، في الوقت نفسه، ليست محكمة تاريخية، وهذه نقطة قوتها وربما إلى حدٍ ما بعض نقاط ترددها، فهي تميل أحيانًا إلى بناء المقابلة بين الماضي والحاضر بصورة واضحة جداً دون تباينات حاسمة، بحيث يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بطريقة شبه مكتملة. ومع أن هذا يمنح النص تماسكاً رمزياً قوياً، لكنه يقلل في بعض المواضع من تعقيد التاريخ نفسه، فالماضي ليس نسخة من الحاضر، والحاضر لا يمكن تفسيره بالكامل عبر الماضي. الرواية تنجح حين تجعل الأزمنة تتجاور وتتحاور، وتصبح أقل إقناعاً حين تجعل التطابق بينها أكثر وضوحاً من اللازم، وربما كان بوسع غنوة فضة أن تتفادى هذا التطابق لو أرادت، وبالتأكيد هناك ملاحظة أخرى تتعلّق باللغة نفسها، فالروائية تمتلك حسَّاً سردياً واضحاً، وتعرف كيف تمنح المكان رائحة ولوناً. البحر والأشجار والأصداف والأقمشة والطرق والخرائب كلها تتحوّل إلى مشاهد ذات قوة بصرية، لكن هذا الثراء نفسه قد ينقلب أحياناً في بعض نواحي الرواية إلى فائض كان بوسعها الاستغناء عنه، فبعض المقاطع يظل مشدوداً إلى حاجة عليا في السرد، بينما تتقدّم مقاطع أخرى خطوة إضافية، فتؤخر من منطق وقوة الحركة الدرامية المطلوبة، ومع ذلك، فإن هذه النزعة السردية ليست منفصلة عن مشروع الرواية، فالكاتبة تريد، على ما يبدو، أن تنقذ الأشياء من الاختفاء عبر اللغة نفسها، ولهذا تبدو الرواية شبيهة بعملية تنقيب أدبية. نحن لا نقرأ الحكاية فقط، بل ننقب تحتها بالفراسة. نزيل طبقة من الغبار، فنجد جرَّة، ثم ورقة، ثم اسماً، ثم حباً، ثم جريمة، ثم مدينة كاملة كانت موجودة ذات يوم. هذه البنية تجعل القارئ شريكاًأساسياً في البحث، لا مجرد متلقٍ للأحداث، واللافت أن الرواية لا تنتهي بإغلاق كل الأسرار. في نهايتها، لا يصبح الماضي واضحاً تماماً، ولا ينتصر أحد بصورة نهائية. يبقى جزء من الحكاية ناقصاً، ويبقى الأثر مفتوحاً على التأويل، وهذا قرار مناسب جداً لرواية تدور في جوهرها حول الذاكرة، فالذاكرة الكاملة وهم، وما يصلنا منها دائماً شظايا وبعض النتف التي تتشظى بطريقتها في زوايا السرد وتشعبّاته الكثيرة. لهذا يمكن قراءة “أرض الأرجوان” بوصفها رواية عن بلد أكثر مما هي رواية عن أشخاص، ولكن ليس بمعنى أنها تتخلّى عن الشخصيات. على العكس، إنها تستخدم أجسادهم وحبهم وخوفهم وفقدهم لكي تقول إن البلاد نفسها كائن حيّيتذكّر. الأرض هنا ليست جغرافيا صامتة، بل أرشيفاً، والبحر ليس خلفية رومانسية، بل طريقاً حمل الغزاة والعشّاق والمهربين والحكايات، والخرابة ليست مجرد بقايا، بل ذاكرة تتحدّى من يريد أن يعلن أن شيئاً لم يكن موجودًا أمامنا على الدوام، وربما بدا أكثر تخييلاً مما نعتقد.
لون جراح قديمة
في النهاية، تنجح غنوة فضة في تحويل الأرجوان من مادة إلى فكرة: لون يخرج من البحر، لكنه يحمل في داخله دماً وملحاً وذاكرةً وصنعةً وحباً، وهذا بالضبط ما يجعل الرواية أكثر من حكاية عن الساحل السوري القديم أو الحرب في شكلها المعاصر. إنها محاولة للقول إن ما يُسرق من الإنسان ليس دائماً بيته أو أرضه، بل حقّه في أن يقول: كنت هنا، عشت هنا، أحببت هنا، وتركت ورائي أثراً. بهذا المعنى تبدو “أرض الأرجوان” رواية عن هذا الأثر! وبمعنى أدق أكثر، عن الذين يموتون وتبقى أشياؤهم بيننا، وربما لهذا لا يبدو الأرجوان، في نهاية المطاف، لوناً للرواية، أو للغة غنوة فضة، بقدر ما هو لون جراحٍ قديمة من الماضي لم تجف، لكنه تعلّم كيف يتحوّل أمامنا إلى لغةٍ ونذور متفرّدة من الجمال.
