في عالم يتسابق نحو التسطيح والديماغوجيا، ويختزل روابط البشر في أرقام التكنولوجيا وشاشات الخوارزميات، يقف الكاتب البلغاري الحائز على جائزة بوكر الدولية غيورغي غوسبودينوف ليذكّرنا بالحقيقة الأزلية المتمثلة في أن الأدب هو الملاذ الأول والأخير للإنسان، ففي خطابه الملهم الذي ألقاه على منصة معرض الكتاب في مدينة غوتنبرغ السويدية مؤخراً، وجّه غوسبودينوف تحية صريحة للحياة وللقارئ بوصفه الكائن الأعمق الذي يعيد تهجئة العالم.
أسبقية الحكاية: حين سبق الأدب المال والتكنولوجيا
تساءل الكاتب بدهشة مبطنة بالسخرية عما يجمع البشر اليوم، أهي التقنية، أم المال، أم السياسة؟ غير أن التاريخ أقدم بكثير من هذه الأعمدة الحديثة، إذ إن تبادل الكلمات يسبق تماماً تبادل النقود، وبنية اللغة تسبق البنية الافتراضية للاقتصاد المعاصر، فالكتب لا تنتظر تكنولوجيا العصر، بل إن التكنولوجيا نفسها تقتات على الحكايات لتطور أدواتها. ومن قريته البلغارية النائية، استحضر غوسبودينوف طفولته وجدّته التي كانت تحكي حكايات تسحر الروح دون أن تقرأ شيئاً عن عمالقة الأدب العالمي، كانت تحكي عن الأجنحة الصغيرة المختبئة تحت قمصان الجيران لنقف في المساء نتطلع من الشقوق بحثاً عن معجزة تكسر رتابة الواقع المظلم، وبهذه الطريقة بدأت الحكاية كوسيلة مقدسة لإيقاف ما أسماه أفطرة العالم وحماية دفق الدهشة الغضّة من قسوة الأيام.
بالقصة نؤجل النهاية ونربح يوماً إضافياً من الحياة عبر المماطلة الجميلة أمام وجه الموت أو الطغاة. وتتجسد هذه الروح في الحكمة البلغارية العريقة التي توصي بضرورة إخبار أشجار التفاح والكرز بموت صاحب الحديقة مع حثّها في الوقت ذاته على مواصلة الإثمار وتقديم الثمار رغم كل الظروف
حراسة الذاكرة: مقاومة الخرف الجماعي وترويض الخوف
وهنا يبرز السؤال الجوهري عن سبب كتابتنا للقصص، ليكون الجواب بأن الخوف هو الدافع الأول، وأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لتنويم مارد الكوابيس، حيث روى غوسبودينوف كيف أن كابوس طفولته الأبدي اختفى تماماً حين دوّنه على الورق قبل خمسين عاماً، غير أن الأهم من ترويض الخوف الشخصي هو ترويض الخوف الجماعي والتاريخي لمواجهة آفة العصر المتمثلة في النسيان الجماعي أو الخرف الممنهج الذي تروجه الأنظمة الشمولية عبر حفر الثقوب في الذاكرة لتسمح للشرور بالعودة، وبدون حراسة الذاكرة عبر الحكي المستمر، تصبح الذاكرة عضلة يجب أن نمرّنها باستمرار كي لا نموت من الداخل، فالقراءة تمنحنا أجساداً إضافية وحيوات أخرى، تماماً كما نشعر حين نحترق ببرودة مع حكاية هانس كريستيان أندرسن عن فتاة الثقاب أو نستلقي جرحى تحت سماء أوسترليتس مع تولستوي، لأن الحكايات تكسبنا التعاطف بوصفه التضاد الأنطولوجي المطلق مع الدعاية العمياء.
أشجار الكرز في وجه العبث: لماذا نستمر في الكتابة؟
وأضاف غوسبودينوف أنه حين يشعر الكاتب بالقلق العميق تجاه مصير العالم، فإنه يلجأ إلى المكتبات ليلمس رفوفها ويهيم بتسميات قواميسها وتاريخ حروبها، ليدرك بطريقة مهدئة أن العالم بطريقة ما متماسك وأن كل الكوارث تصبح عاجلاً أم آجلاً كتباً، تماماً كما تنبأ ستيفان تسفايغ أو كما تقرر مقولة مالارميه بأن كل شيء يتحوّل في النهاية إلى كتاب ونحن معه. وعندما سأل أحدهم بسخرية محبطة عن جدوى الاستمرارية في طباعة الكتب وتنظيم المهرجانات بينما العالم يسير نحو نهايته برعاية الحمقى، أتت الإجابة التاريخية للجدّات وشهرزاد بأننا بالقصة نؤجل النهاية ونربح يوماً إضافياً من الحياة عبر المماطلة الجميلة أمام وجه الموت أو الطغاة. وتتجسد هذه الروح في الحكمة البلغارية العريقة التي توصي بضرورة إخبار أشجار التفاح والكرز بموت صاحب الحديقة مع حثّها في الوقت ذاته على مواصلة الإثمار وتقديم الثمار رغم كل الظروف.
واختتم غوسبودينوف تأملاته برفض قاطع للرداءة السياسية والأدبية، مستعيداً رؤية يوسف برودسكي بأن الشر السياسي دائماً ما يتسم برداءة أسلوبية، فالأدب الحقيقي لا ينقذ البشر فحسب بل ينقذ الإنسانية في داخلهم بوصفه المضاد الحيوي الأقوى ضد سموم الاستقطاب والعنصرية والخطابات المفبركة التي تسرق من الإنسان وجهه وقصته. وفي صدى هذه الكلمات العميقة، تتردد الجملة السحرية التي تختصر فلسفة البقاء بأكملها والتي تجمعنا معاً على اختلافنا في بوتقة إنسانية واحدة تؤكد أنه طالما أننا نروي ونكتب ونتشارك الحكاية، فإن العالم لم يضع بعد.
