انتهت الحرب.. يمكننا التفرّق
يقول سون تزو في كتابه «فن الحرب»: «عندما تحاصر جيشاً، اترك له مخرجاً حتى لا يكون العدو عاجزاً». تبدو هذه النصيحة، للوهلة الأولى، تذكيراً بحدود القوة وضرورة تجنب دفع الخصم إلى اليأس، لكنها تفتح باباً أوسع للتفكير في التحوّلات التي أصابت مفهوم الحرب، وفي المسافة بين الحرب بوصفها ممارسة تخضع لقيود وغايات، والعنف بوصفه قوة منفلتة من كل إطار جامع للمعنى.
غالباً ما تستدعي العودة إلى حكماء العصور القديمة مقارنة مألوفة بين ماضٍ أكثر حكمة وحداثةٍ أكثر توحشاً. غير أن المقارنة لا ينبغي أن تتحوّل إلى حكم أخلاقي مبسّط، فالمهم ليس افتراض أن الحروب القديمة كانت أقل قسوة بالضرورة، بل فهم الأطر الفكرية التي جرى من خلالها تفسير الحرب وتحديد غاياتها وحدودها.
لقد غيّرت أسلحة الدمار الشامل، ولا سيما في أعقاب الحربين العالميتين، حجم القدرة التدميرية للحرب الحديثة، لكن المسألة لا تتعلّق بالتقنيات وحدها. إنها تتصل أيضاً بالإطار الذي تُفهم الحرب من خلاله، وبالعلاقة بين القوة السياسية والأخلاق والحياة الإنسانية.
في هذا السياق، لا يبدو الرفض المطلق للحرب، كافياً لفهم الظاهرة، فالحرب لم تختفِ بمجرد إدانتها، كما أن إعلان السلام لا يضمن زوال العنف، بل قد يتحوّل التمييز بين الحرب والسلام إلى أداة سياسية تخفي المصالح التي تتحكم في استخدام القوة، وتسمح للفاعلين الذين يحتكرون قرار الحرب بتقديم أنفسهم بوصفهم حراساً للسلام في الوقت ذاته.
وتنطلق هذه القراءة من نقد التصوّر الذي يفصل الحرب عن سياقاتها الاقتصادية والسياسية، ويجعل السلام قيمة مكتملة في ذاتها، من دون مساءلة الشروط التي يُنتَج في ظلها أو الأطراف التي تستفيد منه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا يحدث حين تفقد الحرب معناها المحدد، وتتحوّل إلى أداة دائمة في إدارة العالم؟

البطولة وميتافيزيقا الحرب
يحتل مفهوم البطولة موقعاً مركزياً في قراءة جوليس إيفولا للحرب، ففي تصوّره، لا تكتسب الحرب معناها من الدمار الذي تحدثه، بل من البعد الروحي الذي قد يمنح فعل المحارب غاية تتجاوز وجوده الفردي، ويستند هذا التصوّر إلى فكرة أن مواجهة الموت يمكن أن تكشف للإنسان حقيقة وجوده، وأن تخرجه من رتابة الحياة اليومية
تقوم ميتافيزيقا الحرب، وفق هذا المنظور، على تجاوز حدود الذات نحو معنى أوسع منها، فالبطل لا يكون بطلاً لأنه يمتلك القوة أو يحقق انتصاراً مادياً فحسب، وإنما لأنه يؤدي دوراً ضمن إطار من القيم والغايات يتجاوز مصلحته الشخصية.
لكن من الضروري التعامل مع تصوّر إيفولا بوصفه موقفاً فلسفياً تاريخياً مثيراً للجدل، لا قاعدة أخلاقية يمكن اعتمادها لتبرير الحرب أو إضفاء القداسة على العنف، فالمشكلة أوسع من قبول هذا التصور أو رفضه. إنها تتعلق بما يحدث حين تفقد الحرب إطارها الدلالي والأخلاقي، وحين تصبح القوة غاية مكتفية بذاتها.
في المخيال التقليدي الذي يستحضره إيفولا، ارتبط المحارب بممارسات دينية وثقافية تمنح التضحية معنى يتجاوز الفرد، أما في العالم الحديث، فقد تراجعت المرجعيات التي كانت تنظم هذه العلاقة، من دون أن تختفي الحاجة البشرية إلى المعنى أو الشعور بالانتماء، وهنا تنشأ المفارقة: قد يظل الإنسان يبحث عن غاية عليا، لكنه يجد نفسه داخل أنظمة سياسية تستخدم الشعارات الكبرى لتبرير مصالح دنيوية أو نزعات للسيطرة. وبذلك لا يصبح غياب البطل مجرد اختفاء لنموذج تاريخي، بل تعبيراً عن فقدان الإطار الذي كان يربط الفعل الفردي بمعنى أوسع، وحين ينقطع هذا الرابط، لا تختفي الرغبة في التضحية، بل يمكن أن تتحوّل إلى أداة تعبئة في خدمة قوى لا تعترف بالإنسان إلا بوصفه وسيلة.
الحداثة وتحرير الإنسان من المعنى
في مطلع القرن العشرين، ظهرت لدى عدد من المثقفين الألمان تصوّرات رأت في الحرب فرصة لاستعادة حياة فقدت حيويتها، فقد بدت الحرب، في نظرهم، قادرة على تحطيم رتابة الحياة المدنية، وإنهاء الجدل الفكري المجرد، ووضع الإنسان وجهاً لوجه أمام الموت، بما يعيد إليه الشعور بوحدة الحياة. لكن هذا التطلّع حمل تناقضاً عميقاً، فالسعي إلى استعادة الحياة من خلال الحرب لم يكن بالضرورة عودة إلى معنى يتجاوز الإنسان، بل قد يكون تعبيراً عن رغبة حديثة في استعادة الامتلاء الوجودي من داخل العالم نفسه، بعد تراجع المرجعيات الروحية التي كانت تمنح الحياة إطاراً أوسع، وبذلك تصبح الحرب وسيلة للهروب من فراغ الحياة اليومية، لا فعلاً مرتبطاً بغاية تتجاوزها، ويغدو الموت أداة لإثبات الحياة، فيما تتراجع القدرة على تحديد ما إذا كان هذا الفعل يخدم الإنسان حقاً، أم يستهلكه في سبيل أهداف سياسية مصطنعة. ووفق أفكار الفيلسوف غابرييل مارسيل، كما عرضها روديغر زافرانسكي، بشأن العلاقة بين التحرر والتجاوز يبدو أن الإنسان لا يستطيع أن يحافظ على حريته إذا حصر وجوده في الأهداف الدنيوية وحدها، أو جعل من رغباته ومشروعاته الشخصية غايات مطلقة.
الخطر الأكبر ليس أن تنتهي الحرب ثم يعود السلام، بل أن تنتهي الحرب في اللغة، بينما يواصل العنف عمله في العالم
حين تنقطع الصلة بأي معنى يتجاوز الذات، قد يتحوّل الإنسان نفسه إلى مصدر للسلطة المطلقة، ويمنح أهدافه الخاصة صفة الحقيقة النهائية. وعندئذ تصبح الهوية مجالاً للصراع، ويُحمَّل الآخر مسؤولية القلق والاغتراب، ويغدو إخضاعه وسيلة للتخلص من الاضطراب الداخلي.
ليس المقصود هنا أن غياب الدين يؤدي حتماً إلى العنف، بل أن اختزال الإنسان في مصالحه الدنيوية، مع غياب الضوابط التي تحد من نزوعه إلى السيطرة، يفتح الباب أمام تحويل الأهداف السياسية إلى معتقدات مغلقة لا تقبل المساءلة.
من الحرب إلى العنف.. حين تصبح السياسة استمراراً للصراع
تُعرَف مقولة كلاوزفيتز بأن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكن التحوّل يقترح اتجاهاً مقلقاً آخر: أن تصبح السياسة نفسها استمراراً للحرب، وأن تنتقل من كونها أداة لإدارة الاختلاف إلى وسيلة لإدامة الصراع.
في هذا السياق، تبدو نظريات السيادة والسلطة جزءاً من النقاش حول من يمتلك حق اتخاذ القرار باستخدام القوة، ويبرز هنا كارل شميت، الذي عرّف صاحب السيادة بأنه من يقرر حالة الاستثناء، وربط الفعل السياسي بالتمييز بين الصديق والعدو.
غير أن المقارنة بين شميت وإيفولا تكشف اختلافاً جوهرياً، فإيفولا ينطلق من تصوّر للبطولة يستند إلى معنى روحي يتجاوز الفرد، بينما يتركز اهتمام شميت على القرار السياسي والجهة التي تملك سلطة اتخاذه، وعلى الرغم من اختلاف المنطلقين، فإن كليهما يفتح باباً لسؤال السلطة: ما الذي يمنحها شرعيتها، وما الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها؟
يصبح هذا السؤال حاسماً حين تتحوّل الحرب إلى أداة سياسية لا تخضع لغاية واضحة أو لقيود فعالة، فالسيادة، حين تُختزل في القدرة على فرض القرار، قد تتحوّل إلى احتكار للقوة من دون مسؤولية متناسبة معها، وهنا لا يعود الخلاف بين مؤيدي الحرب ومعارضيها كافياً، إذ ينبغي البحث في طبيعة النظام الذي يجعل العنف متاحاً، وفي المصالح التي تمنحه الاستمرارية.
العنف المعاصر: من المحاكاة إلى الإبادة
في عالم الصورة والإعلام، لم تعد الحرب حدثاً يُختبر ميدانياً فحسب، بل أصبحت أيضاً مشهداً يُنتج ويُعرض ويُستهلك، وهنا يمكن استحضار أفكار جان بودريار حول المحاكاة واختفاء الحقيقة، لأن واقع العنف المعاصر يتجاوز التفسير الرمزي وحده، فالحرب قد تتحوّل إلى صور متكررة على الشاشات، وإلى خطابات متنافسة حول الحقيقة والمسؤولية، لكن هذا التحوّل لا يجعل الدمار أقل واقعية. وراء الصورة توجد أجساد تُقتل، ومدن تُدمَّر، ومجتمعات تُحرم من مقومات الحياة. ولذلك لا يمكن اختزال العنف في الطريقة التي يُمثَّل بها أو يُعرض للجمهور.

ويقدّم ما يحدث في غزة مثالاً على هذه المفارقة: تتداخل الروايات والصور والمواقف السياسية، بينما يظل الدمار المادي واقعاً يتجاوز أي محاولة لتفسيره بوصفه مجرد محاكاة إعلامية. هنا تظهر حدود المقاربات التي تركز على الخطاب وتغفل القوة الفعلية التي تنتج الخراب، أو تتعامل مع العنف باعتباره مشهداً منفصلاً عن حياة من يقع عليهم.
وفي هذا العصر، لا تكمن المشكلة في أن الحرب تُمارَس فقط، بل في أنها قد تتحوّل إلى حالة من العنف المستمر يصعب تحديد بدايتها ونهايتها، وتتشابك فيها السلطة السياسية والاقتصاد والإعلام، حتى يصبح العنف جزءاً من النظام اليومي للعالم.
وحين تفقد الحرب حدودها، يصبح من الصعب أيضاً تحديد المسؤولية، فالأفعال التي كانت تُناقش ضمن إطار سياسي أو أخلاقي محدد قد تُقدَّم بوصفها إجراءات ضرورية، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بغاياتها ونتائجها، وهكذا يُفرَّغ العنف من معناه، لا لأنه أصبح أقل وحشية، بل لأن الأنظمة التي تستخدمه لم تعد مضطرة إلى تقديم معنى متماسك له.
انتهت الحرب.. لكن العنف بقي
ويبدو نافلاً القول إن التحوّل الأعمق في تاريخ الحرب لا يتمثل في تطور الأسلحة أو تغير استراتيجيات القتال وحدهما، بل في تراجع الأطر التي كانت تحدد غايات الحرب وحدودها، وفي تحوّل القوة إلى أداة منفصلة عن أي تصور شامل للحياة والمسؤولية.
لا يعني ذلك تمجيد الحرب القديمة أو الدعوة إلى استعادة نماذجها، ولا أن الروحانية كانت دائماً ضمانة ضد القسوة، فالتاريخ القديم نفسه عرف الحروب المدمرة، كما أن استدعاء البطولة والقداسة يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة لتبرير العنف إذا لم يخضع للمساءلة الأخلاقية، لكن المقارنة تظل مفيدة حين تكشف أن الحرب لم تكن في كل العصور تُفهم بالطريقة نفسها، وأن تغيّر معنى الحرب يغيّر بالضرورة معنى السلام والعنف والسلطة.
المأزق المعاصر، وفق هذه القراءة، هو أن الحرب فقدت كثيراً من قيودها الدلالية والأخلاقية، بينما لم يتراجع العنف، بل تمدد إلى السياسة والحياة اليومية وأنظمة التمثيل والإعلام، وحين يصبح العنف مألوفاً، تتراجع القدرة على رؤيته بوصفه مشكلة تستدعي التغيير، ويتحوّل الاعتراض عليه إلى موقف عاجز ما لم يفهم البنية التي تنتجه وتحمي استمراره.
من هنا تأتي العبارة الختامية، «انتهت الحرب، يمكننا التفرق»، بوصفها مفارقة لا إعلاناً عن انتهاء الصراع، فقد تنتهي معركة، أو يتوقف إطلاق النار، لكن العنف قد يبقى حاضراً في المؤسسات والخطابات والآثار التي يتركها الدمار في حياة الناس.
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس فقط: من يريد الحرب؟ بل أيضاً: ما الذي يجعل العنف ممكناً، وكيف يستمر بعد أن تنتهي الحرب رسمياً؟ وربما لا يبدأ تجاوز هذا المأزق من تمجيد الحرب أو الاكتفاء بإدانتها، بل من استعادة القدرة على مساءلة السلطة، وتحديد المسؤولية، والدفاع عن حياة الإنسان بوصفها قيمة لا يجوز اختزالها في أي غاية سياسية، فالخطر الأكبر ليس أن تنتهي الحرب ثم يعود السلام، بل أن تنتهي الحرب في اللغة، بينما يواصل العنف عمله في العالم.
