*حبّة كرز
عند منعطف الطريق،
تدحرجت حبّة كرز
حتى استقرّت
عند حذائي.
انحنيتُ والتقطتُها.
على قشرتها
أثرٌ صغير
من أسنان عصفور.
*مشجب منسي
هذا،
أو ما تبقّى
من فكرةٍ لم تكتمل.
مُسنَداً
على هواء السقف،
يحتفظ بسرّه.
في ناحيةٍ
لا يدلّ عليها شيء،
نما الحبّ اللامرئي،
رقيقاً،
بين الأشباح.
تركها أحدهم
في الزوايا،
ثم نسي
أن يعود.
وحده الهواء
ما زال يتذكّر
ما الذي كان يسنده.
*حديقة العابر
قلتَ:
لا تزرعْ حديقةً على قرنِ وعل.
أهو تحذيرٌ من الثقل،
أم من الوهم
حين يتزيّنُ بفكرة؟
تأخّرتُ.
كنتُ أصعدُ طوروسَ
محمّلاً بي.
لكن،
هل يحملُ الارتفاعُ شيئاً،
أم يُسقِطُ كلَّ ما يُحمل؟
مددتُ يدي للضوء
على قرنٍ يلمعُ
كأغنيةٍ كرديّةٍ قديمة،
فانفلتَ.
هل الضوءُ يُمسك،
أم نحنُ من يتلاشى
حين يقترب؟
مرّتِ الوعولُ،
خفيفةً،
كأنها لا تحملُ شيئاً.
وأنا،
كلّما أضفتُ معنى
إلى ما يلمع،
فقدتُه.
*ثلاثةُ غرباء في جهةِ الحنين
ليت للحنين باباً واحداً،
أطرقه مرةً
وأعود.
لكنني عالقٌ بين قلبين:
قلبٌ يفتح لي نصف السماء،
وقلبٌ يتركني للمطر.
يا نساءَ المسافة،
كيف صار رجلٌ واحد
ثلاثةَ غرباء؟
أحدهم يضحك للقائكنّ،
والثاني يبكي حين ترحلن،
والثالث
كحارسٍ عجوز
لمقبرةٍ لم يُدفن فيها أحد.
*الجدار الذي صدّق المتاهة
لم يكن العالم متاهة؛
كانت المتاهة فكرةً
صدّقها الجدار.
كل ممرّ يقود إلى احتمال،
وكل احتمال يترك جثّةً
للذي لم أكنه.
وحين وصلتُ إلى آخر الممرّ،
كان الجدار
ينتظر أن أصدّقه.
*حبالٌ لرمش الغياب
لقد رسمتُ الصمت
ونسيتُ نفسي فيه،
بين ركام الذهول
وبيني.
لكم هو خالٍ هذا الليل،
حيث المدينة
مأهولةٌ بالغريب.
ما أشجاك الليلة،
وأنت تصحو
من جثّةٍ في الرماد الثقيل؟
وثمّة ما سوف نتركه
ها هنا
أو هنالك؛
من أزل الكلمات
ومن وعولها،
ترتخي في مسافات حزنك.
لا شأن لك الليلة بالأعداء،
لا نافذة هناك خلفك.
قمرٌ يعلّق ثيابه
على حبال رمشك.
ما أقساك الليلة،
ما أوجع صمتك.
بعض حنين،
ودمعٌ قديم،
وشيءٌ من القلب
نعصره،
ثم نفرده،
ثم ننشره في الهواء،
ونتركه يابساً.
إلى هاجسٍ
من نساء،
من غيبها
لا نعود.
مَيْلاً من الدهشة
كان الطريق.
وحده
يسيلُ الصمتُ
بلا عزاء.
*أثرُ باب
تدخلني.
على فمها
أثرُ بابٍ أُغلق على أحد.
رأيناها تجرُّ القمر
من بئرٍ إلى بئر،
وفي شعرها
أسماءُ مدنٍ لم تعد موجودة.
قالت:
لا أريد قلبكَ.
أريد الحفرةَ التي تركها
حين اقتلعوه منك.
اقتربتُ.
ابتعد جسدي
وبقيتُ أنظر
إلى الفراغ الذي خلّفه.
كان لها وجهٌ
كلما حدّقتُ فيه
رأيتُ شخصاً
يموت في مكاني.
في الصباح،
وجدتُ تحت لساني
ريشةً مبلّلة.
لم أتذكّر طائراً.
وكان التراب
فوق سريرها
يرتفع قليلاً
ثم يهبط.
*تشريحُ الحزن
كان الحزنُ يسكنني
منذ زمنٍ لا أذكر بدايته.
في البداية،
حسبتُه عضواً صغيراً
يمكن للطبيب أن يستأصله.
لكن الطبيبَ شرّحني
ولم يجد شيئاً.
خرجتُ،
وكان الحزنُ يمشي إلى جانبي،
يضع يده في جيبي
ويشتري لنفسه الحلوى.
في البيت،
حاولتُ إقناعه بأن ينام.
فرشتُ له سريري،
أطفأتُ المصباح،
وغنّيتُ له أغنيةً قديمة.
نامَ هو،
وبقيتُ أنا مستيقظاً
أراقبُ أنفاسه.
كان صغيراً في نومه،
بريئاً تقريباً،
كأنّه لم يُفسد لي يوماً واحداً.
فكّرتُ أن أقتله،
لكنني خفتُ أن أموت معه،
أو أن أكتشف بعد موته
أنني كنتُ أنا الحزنَ
وأنّه لم يكن سوى اسمي الآخر.
عند الفجر،
نهضتُ لأعدّ القهوة.
وجدتُ فنجانين على الطاولة.
لا أتذكر أنني وضعتُ الثاني،
لكنني تركتُه مكانه.
من يدري؟
ربما كان عليّ، ذات يوم،
أن أتعلم حسنَ الضيافة.
*الجندي الذي ربّى يوماً في خوذته
في خوذته،
كانت الأيام تنبت.
يسقيها
من مطّارته.
كلّما سقط يوم،
نبت آخر.
لم يعرف
أَيَحزن
أم يعتذر.
بعد سنوات،
كبرت الأيام
حتى تجاوزته،
وصارت تمشي
خلفه.
…
علّقها على الجدار.
اختفى الجدار.
علّقها على شجرة،
على ظلّه،
على ظهره.
استيقظ.
كان أحدهم
يقلبه
نحو جهةٍ
لم يعش فيها.
…
كانت له رسائل حبّ.
قبل النوم،
يعيدها إلى الأظرف.
في الصباح،
واحدة في حذائه،
أخرى بين الطلقات،
وثالثة على غصن
توشك أن تطير.
لم يعرف
أيّها كتب.
ربما كتبها جميعاً.
ربما
لم يكتب شيئاً.
…
التفت الجندي.
لم يكن الليل هناك.
لم يجد الحرب،
ولا الطريق،
ولا نفسه.
وجد الروزنامة
تفتّش بين الأشجار
عن يومها الأول.
