هل “بلون التراب” رواية أم تاريخ؟ سؤال يفرض نفسه أمام سردية المأساة السورية في حلب، حيث تتداخل الذاكرة الشخصية مع الوقائع الدامية، وتختلط تفاصيل الحياة اليومية بصور الحرب والدمار. من غزو قوات النظام لمدينة الشهباء إلى الجثث التي كانت تُلقى في نهر قويق، تستعيد الرواية فصولاً موجعة من تاريخ مدينة عاشت الانقسام والخوف والفقدان.
يكتب الروائي عزيز تبسي تاريخ حلب بمفردات الأدب، مستعيداً حبّات المطر وقهوة الصباح، وبستان القصر وحي السريان والميدان وبستان الباشا، وحلب التي انقسمت إلى شرقية وغربية. لا يقتصر السرد على تسجيل الأحداث الكبرى، بل ينطلق من عذابات الناس وتفاصيل حياتهم، ومن الحراك الذي بدأ في درعا عام ٢٠١١، وأشعل لهيب الثورة في سائر المحافظات السورية.
تتناول الرواية أنماط العيش في أحلك الظروف. الحب والزواج وبقايا الصداقات، وقسوة الحياة والتضخم النقدي، وقذائف جهنم التي أصابت أحياء المدينة ودفعت سكانها إلى الهجرة، كما ترصد واقع منطقة خرجت من سيطرة النظام، ونشأت فيها آمال الحرية والكرامة، قبل أن تواجه أشكالاً أخرى من العنف والابتزاز والتشبيح، مارستها عصابات الأمن والعملاء بحق السكان الآمنين.
وسط هذه التحوّلات، تتشتت العائلات تحت وطأة الحرب والنزاعات الأهلية، ويجد الإنسان نفسه ممزقاً بين البقاء والرحيل، وبين التمسك بالمكان والنجاة من جحيمه، ويجسد سامر نعمة، بطل الرواية، هذا التمزق، إذ يعيش بين طرطوس وحلب، وتثقله مرارة الفراق حين يودّع زوجته وابنتيه اللتين تغادران إلى كندا. هنا لا يعود المنفى مجرد انتقال جغرافي، بل يصبح امتداداً للمأساة التي تبدأ في الوطن ولا تنتهي عند حدوده.

حلب في تفاصيل الحياة اليومية
يفتتح عزيز تبسي روايته بمشهد صباحي هادئ، تتجاور فيه الغيوم والمطر ورائحة القهوة، في استعادة لتفاصيل يومية تبدو عادية، لكنها تكتسب دلالتها من واقع المدينة المثقل بالخوف والحرب. يقول: “توقَّف المطر الليلي تاركاً للصباح غيوماً بيضاء متتابعة، ظهرت كشراشف تموجها الريح على حبل غسيل في فناء بناء مهجور، تابعها سامر نعمة بنظرات خاطفة عبر الواجهة الزجاجية المطلة على الشرفة، بينما كان يستعد للصباح بإعداد ركوة القهوة متنقلاً بين الصالة والمطبخ” (ص ٧). في هذا المشهد، لا يكتفي الكاتب بوصف الطبيعة، بل يرسم لحظة من الحياة اليومية تتسلل إليها ظلال الخراب، فالغيوم، والشرفة، والبناء المهجور، وركوة القهوة، تفاصيل تستعيد إيقاع الحياة المعتاد، لكنها تحمل في الوقت نفسه إحساساً بالهشاشة والفقدان، ومن خلال هذه التفاصيل، يستعيد تبسي حلب بوصفها مدينة مأهولة بالذكريات والعلاقات الإنسانية، لا مجرد مسرح للأحداث العسكرية، وتتجلّى اللغة الشعرية في السرد أيضاً حين يصف الشارع، فيقول: “ظهر الشارع كعجوز محنيَّ الظهر، يسير برتابة وكسل وترقب صامت. الناس نائمون في سيرهم، يتمتمون بقايا مناماتهم وكوابيسهم” (ص ١٤). يتحوّل الشارع هنا إلى كائن بشري أنهكته الأيام، فيما يبدو الناس وكأنهم يمشون في نومهم، عالقين بين واقع قاسٍ وكوابيس لا تنتهي. إنها صورة مكثفة لمدينة لم تعد الحرب فيها حدثاً طارئاً، بل غدت جزءاً من الحياة اليومية، يثقل خطوات الناس ويستنزف قدرتهم على الحلم.
نهر قويق: ذاكرة الدم والمدينة
في حلب، لا تبدو المأساة مجرد سلسلة من الوقائع المنفصلة، بل واقعاً تتكرر فيه مشاهد الموت من دون محاسبة، ويظل القاتل مجهولاً كما تظل هوية الضحايا، في كثير من الأحيان، بلا إجابة. يقول تبسي: “القتل الآن صار بلا حساب… يجدون من وقت لآخر قتلى مرميين في نهر قويق، ويبلغون الشرطة عنهم، تأتي سيارة الإسعاف وتنتشلهم، وتُقيّد الجريمة ضد مجهول” (ص ١٦٥).
يختصر هذا المشهد جانباً من المأساة السورية، فالموت يتكرر، والجثث تُنتشل من النهر، والجرائم تُقيّد ضد مجهول، ولا يقتصر الأمر على فداحة القتل، بل يمتد إلى غياب العدالة، حين يصبح المجهول عنواناً للجريمة، ويغدو الضحايا أرقاماً في سجل مفتوح من الفقدان.
ويحتل نهر قويق مكانة تتجاوز حضوره الجغرافي، ليغدو شاهداً على تحوّلات حلب ومصير سكانها، فالنهر الذي ارتبط بحياة المدينة وذاكرتها، تحوّل في مراحل لاحقة إلى صورة عن التدهور والإهمال، ثم إلى شاهد على العنف الذي أصابها، وهكذا تتداخل ذاكرة المكان مع ذاكرة البشر، ويغدو النهر سجلاً رمزياً لعذابات المدينة على ضفتيه، وفي تأمل دالّ في مصير النهر، ترد في الرواية العبارة التالية: “ضاع نهر قويق بين ماضيه النهري، وحاضره كمجرور صرف صحي… نهر قويق أحد التعبيرات المجازية عن دولة ما بعد الاستقلال”.
عن الرواية والكاتب
“بلون التراب”، رواية صادرة عن دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر عام ٢٠٢٦
عزيز تبسي: كاتب وروائي وصحفي من مواليد حلب عام ١٩٦٢. صدر له “اليوم… وكل يوم”، و”كل الأشجار” عن دار كنعان في دمشق، و”صيد العصاري” عن دار ميسلون عام ٢٠٢٥. تعود جذوره العائلية إلى ماردين، التي يصفها الكاتب بأنها التوأم الحقيقي لحلب، وقد تناول في رواية “كل الأشجار” تاريخ حلب بعد سقوط الخلافة العثمانية، ووثّق حواريها ودكاكينها وأسواقها، ونجاحاتها في ميادين الطب
هذا ما يصرّح به إسماعيل رحال، أحد شخصيات الرواية، مستحضراً التحوّل الذي أصاب النهر، وما يحمله من دلالات تتجاوز تلوث المياه إلى تراجع معنى الدولة ووظيفتها، فالنهر، في هذا السياق، ليس مجرد معلم من معالم حلب، بل استعارة عن مصير مدينة وبلد، وعن المسافة التي تفصل الوعود الوطنية عن واقع الناس.
بين التاريخ والرواية
تستمد رواية “بلون التراب” أهميتها من قدرتها على مقاربة التاريخ عبر التجربة الإنسانية، لا عبر تسجيل الوقائع وحدها، فالحرب لا تظهر في الرواية من خلال القذائف والانقسامات والمواجهات فحسب، بل من خلال أثرها في العلاقات الشخصية، وفي البيوت والشوارع، وفي تفاصيل الحياة التي كانت تبدو مألوفة قبل أن تصبح مهددة بالزوال.
ومن هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام رواية أم تاريخ؟ لعلَّ قوة العمل تكمن في أنه لا يضطر إلى الاختيار بينهما، فهو يستعين بأدوات الأدب كي يمنح الوقائع صوتاً إنسانياً، ويعيد إلى الذاكرة ما قد تبتلعه الأرقام والتواريخ. لا تحل الرواية محل الكتابة التاريخية، لكنها تفتح نافذة على التجربة المعيشة، وعلى الخوف والفقدان والحنين، وهي أبعاد يصعب اختزالها في سرد الوقائع وحده.
في رواية “بلون التراب”، تستعيد حلب ملامحها من خلال ناسها وأحيائها وذاكرتها المتشظية، وتصبح الكتابة فعلاً في مواجهة النسيان، ومحاولة لاسترداد المدينة من صور الخراب، وإعادة وصل حاضرها بماضيها، مهما اتسعت المسافة بينهما. إنها رواية عن مرارة البقاء في وطن يتآكل تحت وطأة العنف، ومرارة المنفى الذي ينتزع الإنسان من المكان الذي تشكّلت فيه ذاكرته، وبين هاتين المرارتين، تظل حلب حاضرة في اللغة، وفي التفاصيل الصغيرة، وفي الحنين إلى مدينة لا تكفي الحروب لاقتلاعها من وجدان أبنائها.
“بلون التراب” رواية أدبية تستكمل مسيرة عزيز تبسي الإبداعية في البحث عن حلب. المدينة الراسخة في التاريخ، التي تحرسها قلعة شامخة منذ آلاف السنين، وتظل ذاكرتها أوسع من الخراب، وأبقى من محاولات النسيان.
