في العاشرة مساءً، خلف أحد مطاعم المأكولات البحرية في نيويورك، وتحت جسر مانهاتن، يقف الفنان أسد رضا أمام باب خلفي صغير، ويشير إليه قائلاً: «نطلق على هذا اسم باب الجحيم».
ما إن يفتح الباب حتى تظهر عشرات الجرذان، بعضها يتسلق حاويات القمامة، وبعضها الآخر يختفي عبر شقوق الجدران وممرات الأرض. مشهد يبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى فيلم ديستوبي، لكنه بالنسبة إلى رضا ليس مصدراً للاشمئزاز أو الخوف، بل مدخل إلى تجربة فنية غير مألوفة: ماذا لو صنعنا الفن لكائنات لا تنتمي إلى عالم البشر؟
في مشروعه الأحدث، يضع الفنان الأميركي منحوتات في أكثر من عشرين موقعاً من نيويورك، قرب حاويات القمامة وفتحات الصرف الصحي والشجيرات والممرات التي تستخدمها الجرذان. إنه فن عام لجمهور لا يشتري التذاكر ولا يقف أمام الأعمال في صالات العرض، بل يقترب منها ليلاً، ويشمّها، ويلامسها، ويقرر بطريقته الخاصة إن كانت تستحق الاستكشاف.
منحوتات تشبه الأنقاض
على مدى أشهر، تنقّل رضا وثلاثة مساعدين هم ديفين غاليندو وكونينغ هوانغ وجاريد باكارد، في شاحنة صغيرة، حاملين قطعاً مصنوعة من الخرسانة والخشب والخيش. وضعوا أعمالهم في مواقع متباينة، من سيوارد بارك ومنطقة لوير إيست سايد إلى الممرات تحت جسري بروكلين ومانهاتن، وصولاً إلى الجزر الوسطية المليئة بالنفايات في تايمز سكوير. لم يصمم رضا بيوتاً أنيقة أو قصوراً مصغرة، ولم يحاول استنساخ العمارة البشرية على نطاق صغير. اتجه بدلاً من ذلك نحو أشكال خشنة تشبه الأنقاض والركام، تحتوي على تجاويف ومداخل ومخارج ومخابئ، واستلهم بعض القوالب من أشياء مألوفة في البيئة الحضرية، مثل الأكياس البلاستيكية والصناديق وقطع الستايروفوم. كما اختار الخشب والخيش، وهما مادتان تحتفظان بالروائح، لتصبح المنحوتات قابلة للاكتشاف عبر حواس تتجاوز النظر، فالعمل الذي قد يراه الإنسان مجرد كتلة خرسانية غريبة يمكن أن يتحوّل، بالنسبة إلى جرذ، إلى مساحة للاستكشاف والمرور والاختباء. هنا تتغيّر وظيفة الفن: لا يعود شيئاً موضوعًا أمام الجمهور ليتأمله، بل بيئة يدخلها كائن آخر ويتفاعل معها وفق احتياجاته.
«ثيغموتاكسيس».. الفن الذي يُكتشف باللمس
يحمل المشروع عنوان «ثيغموتاكسيس»، وهو مصطلح يشير إلى ميل بعض الكائنات إلى البقاء على تماس مع الأسطح المحيطة بها، فالجرذان، التي تنشط ليلاً وتعيش في بيئات شبيهة بالجحور، تعتمد على لمس الجدران والحواف لتستكشف المكان وتتحرّك فيه بحذر، إلى جانب حاسة شم قوية.
في نيويورك، حيث الأبراج والواجهات المضيئة والصورة المصقولة للمدينة، يقترح رضا معرضاً آخر تحت الأقدام، يتحرّك فيه جمهور ليلي بين الظلال، بعيداً عن الأضواء والتصفيق
أدرك رضا أن تصميم أعمال لها لا يمكن أن يقوم على تفضيلاته البشرية وحدها، ولذلك استعان بالمتخصص في سلوك الحيوان مايكل بارسونز، وتعاون مع المهندستين المعماريتين مارا يوفانوفيتش وزينب الطيب من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، لاستكشاف الأشكال والمواد والملامس التي قد تجذب الجرذان، والنتيجة منحوتات لا تسعى إلى إرضاء العين البشرية بقدر ما تفتح احتمالات جديدة للحركة والملامسة والاختباء. لقد بدأ الفنان، كما يقول، ينظر إلى الجرذان بوصفها كائنات تمتلك حياتها وتفضيلاتها، لا مجرد مصدر للاشمئزاز أو خطر ينبغي إبعاده عن الأنظار.
كاميرات تراقب جمهوراً لا يصفق
لم يكتفِ الفريق بتركيب المنحوتات ومغادرة المواقع، بل ثبّت كاميرات مخصصة لمراقبة الحياة البرية على الأنابيب والبوابات والمقاعد، لمتابعة تفاعلات الجرذان معها، وفي الليالي التالية، عاد أفراده لاستعادة بطاقات الذاكرة ومشاهدة التسجيلات. كانت الجرذان تقترب من الأعمال، وتشم أسطحها، وتركض فوقها أو تعبر تجاويفها، وكان الفنان ومساعدوه يتابعون هذه الحركات بحماسة، منتظرين ما ستفعله الكائنات بالأشياء التي صُنعت خصيصاً لها.
لكن المشاهدة لا تعني بالضرورة معرفة ما يدور في عالم الجرذان الداخلي، فلا يمكن الجزم، من كل حركة، إن كان الجرذ قد انجذب إلى شكل المنحوتة، أو إلى رائحتها، أو إلى ما توفره من طريق آمن، ومع ذلك، تمنح هذه التسجيلات الفنان فرصة للتعلّم من التفاعل الفعلي، بدل الاكتفاء بتخيّل احتياجات كائن آخر من منظور بشري.
لا يوجد هنا افتتاح تقليدي، ولا نقاد يجلسون في الصفوف الأولى، ولا تصفيق في نهاية العرض. ثمة عمل فني ينتظر زواره في الظلام، وجمهور لا يعرف أنه يؤدي دوراً في تجربة فنية، وربما لا يحتاج إلى معرفة ذلك أصلاً.
مدينة واحدة.. وعوالم لا نراها
يرى رضا أن الفن العام المخصص للجرذان يتجاوز الحدود الاجتماعية التي رسمها البشر للمدينة: ما يستحق الظهور وما ينبغي إخفاؤه، وما يُعد جميلاً وما يُدفع إلى هوامش المشهد، فمدينة نيويورك لا تضم البشر وحدهم، بل عدداً هائلاً من الكائنات التي تعيش في شقوقها وأنفاقها وممراتها، ويشير النص الذي يستند إليه المشروع إلى تقدير يبلغ نحو ثلاثة ملايين جرذ في المدينة، رغم أن معظم سكانها يفضلون تجاهل وجودها ما أمكن.
لا يتجاهل المشروع المشكلات الصحية والبيئية المرتبطة بالجرذان، لكنه يطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا تتحوّل معرفتنا بهذا الكائن إلى صورة واحدة لا تتجاوز القذارة والخوف؟ وهل نستطيع أن نعترف بوجوده داخل النظام البيئي للمدينة، من دون أن ننكر المشكلات التي يثيرها؟ إنه سؤال يتجاوز القوارض إلى علاقتنا بالكائنات الأخرى، فمن يقرر مَن يستحق أن يكون جزءاً من صورة المدينة؟ ولماذا نعتبر بعض أشكال الحياة طبيعة جميلة حين تكون بعيدة عنا، ثم نراها مصدر إزعاج حين تقترب من بيوتنا؟
من قاعة العرض إلى النظام البيئي
بدأ المشروع بعد دعوة تلقاها رضا لإقامة معرض في مساحة «تايمز» الفنية البديلة وسط نيويورك، لكن الفنان، الذي اعتاد تصميم أعمال مرتبطة بأماكن محددة، لم يحصر تجربته في قاعة العرض التقليدية، بل وسّعها إلى النظام البيئي المحيط بها.
في مشاريع سابقة، أتاح لنهر أن يمر داخل قاعة عرض في فرانكفورت، واستخدم تربة منتجة من نفايات محلية في عمل فني بأستراليا، كما اشتغل على توليد الكهرباء عبر تفاعلات ومواد متنوعة في محطة طاقة أُعيد تفعيلها في ألمانيا، وفي هذه التجارب جميعاً، لا يكون المكان خلفية للعمل، بل عنصراً يشارك في تكوينه.
أما في «ثيغموتاكسيس»، فإن المكان ليس مجرد جغرافيا، بل عالم تعيش فيه كائنات لها حواسها واحتياجاتها وطرائقها الخاصة في الحركة، ويضم المعرض مجموعة من المنحوتات والوثائق المستمدة من المشروع، وعملاً جداريا، ذا ملمس خاص يتيح للزوار تجربة مفهوم التماس مع الأسطح، إضافة إلى فيلم يوثق لقاءات الجرذان الليلية بالأعمال الفنية في أنحاء المدينة. ويستمر المعرض في مساحة «تايمز» حتى 12 ديسمبر/كانون الأول 2026.
رسالة حب إلى المدينة التي لا نراها
أسد رضا فنان أميركي من مواليد بافالو عام 1974، لأبوين مهاجرين من باكستان. درس الأدب وصناعة الأفلام، وتتنوع ممارسته بين الفن والمشاريع التعاونية وتنظيم المعارض، وفي مشروع الجرذان، يبدو كأنه يختبر سؤالاً يتجاوز حدود الجماليات: هل يستطيع الفن أن يفسح مكاناً لكائن لا نعرف كيف نخاطبه؟ قد لا تعرف الجرذان أنها تعيش داخل معرض فني، وقد لا تكون هذه المعرفة ضرورية. يكفي أن تقترب من المنحوتات، أو تشمها، أو تعبر تجاويفها، فالتجربة لا تحتاج إلى جمهور يفهم النظرية التي تقف خلفها حتى تصبح ذات معنى.
لا تحاول هذه المنحوتات تجميل القمامة، ولا تدعو إلى تجاهل المشكلات التي تثيرها الجرذان. إنها تذكّرنا بأن المدينة الواحدة قد تضم عوالم متعددة، وأن ما نراه حطاماً قد يتحوّل في عين كائن آخر إلى ملاذ.
في نيويورك، حيث الأبراج والواجهات المضيئة والصورة المصقولة للمدينة، يقترح رضا معرضاً آخر تحت الأقدام، يتحرّك فيه جمهور ليلي بين الظلال، بعيداً عن الأضواء والتصفيق. إنها، كما يصفها الفنان، رسالة حب صغيرة إلى المدينة، ليس إلى المدينة التي تعرضها البطاقات السياحية، بل إلى تلك التي تعيش في شقوقها وممراتها المنسية. وربما يكون السؤال الذي يتركه المشروع مفتوحاً أمامنا أبسط مما يبدو: هل نستطيع أن نتشارك العالم مع كائنات لا تشبهنا، من دون أن نصرّ على أن ترى العالم كما نراه؟
