في مدينة مالمو السويدية، لم يكن المشهد مجرد افتتاح لمهرجان سينمائي، بل كان موعداً متجدداً مع الصورة والحلم وحب السينما، موعداً اجتمعت فيه وجوه عربية وأجنبية أتت من جغرافيات مختلفة، لتلتقي تحت سقف الفن السابع، وتستعيد ما تستطيع السينما أن تفعله حين تتحوّل إلى مساحة للذاكرة والحوار والاختلاف.
أمام صالة «بانوراما» (Panora)، وفي أروقتها، تجمّع عشاق السينما وضيوف المهرجان، في مشهد امتزجت فيه الحماسة ببهجة اللقاءات. كانت التحيات تتبادل بين الأصدقاء، والوجوه التي فرّقتها المسافات تلتقي مجدداً، فيما دارت لقاءات صحافية مع الضيوف ونجوم المهرجان، في حركة عكست حيوية المكان وما يحمله الحدث من رغبة في الاحتفاء بالسينما الفلسطينية وإعادة وصلها بجمهورها في أوروبا.
لم تكن تلك اللحظات مجرد مقدمات لحفل رسمي، فقد بدت مالمو، وهي تستقبل ضيوفها، وكأنها تهيئ فضاءً للذاكرة الفنية العربية والفلسطينية، ولحوار يتجاوز حدود البلدان واللغات، ليؤكد أن السينما ليست صناعة للترفيه وحده، بل جسر إنساني وثقافي، يحمل تجارب الشعوب وأسئلتها وطموحاتها.
ومع انتقال الحضور إلى حفل الافتتاح، جاءت لحظة التكريم لتمنح الأمسية معناها الأعمق، فقد احتفى المهرجان بأربع شخصيات فنية عربية تركت بصماتها في مسارات الفن السابع، وقدمت تجارب مختلفة، تتقاطع في إيمانها بدور الفن في التعبير عن الإنسان وتحولاته.
شمل التكريم المخرج السوري المعروف هيثم حقي، والفنان العراقي الدكتور جبار جودي، والمخرج المصري خالد يوسف، والممثل السوري عبد الحكيم قطيفان. وقدّم يحيى أبو وطفة، رئيس المهرجان، لكل منهم درع المهرجان وشهادة التكريم، في لحظة حملت معنى الامتنان لمسيرات فنية لم تكن مجرد حضور في المشهد الثقافي العربي، بل مساهمة في تشكيل ملامح منه، وفي توسيع مساحة التعبير السينمائي والتلفزيوني والفني.
ولعلَّ قيمة هذا التكريم تكمن أيضاً في جمعه أسماء تنتمي إلى تجارب وأجيال وحقول مختلفة، فلكل منها طريقته في التعامل مع الصورة والحكاية والواقع. ومن هنا، بدا الاحتفاء أقرب إلى تحية لذاكرة الفن العربي، وإلى اعتراف بأن التجارب الإبداعية، مهما اختلفت ظروف إنتاجها وبلدان انطلاقها، تظل جزءاً من إرث ثقافي مشترك يستحق أن يُستعاد ويُحتفى به.
إن تكريم المبدعين ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو أيضاً دعوة إلى قراءة أثرهم في الحاضر، وإلى تذكير الأجيال الجديدة بأن السينما العربية لم تُبنَ على المصادفة، وإنما على جهود فنانين خاضوا مغامرات جمالية وفكرية، وواجهوا تحديات الإنتاج والرقابة والتحوّلات السياسية والاجتماعية، وتركوا وراءهم أعمالاً تستحق المشاهدة والنقاش.
«شكراً لأنك بتحلم معنا»: حين تصبح الكوميديا وسيلة لمواجهة الظلم
من منصة التكريم إلى الشاشة الكبيرة، انتقلت الأمسية إلى محطتها الفنية الأبرز، مع اختيار الفيلم الفلسطيني «شكراً لأنك بتحلم معنا»، للمخرجة ليلى عباس، لافتتاح المهرجان. وعلى مدى نحو تسعين دقيقة، وجد الجمهور نفسه أمام حكاية تبدو في ظاهرها عائلية، لكنها سرعان ما تكشف عن شبكة من الأسئلة الاجتماعية والأخلاقية، تتعلق بالمرأة والسلطة والمال والعدالة، وبالمكانة التي يمنحها المجتمع للرجل والمرأة داخل المؤسسة العائلية.
تدور أحداث الفيلم في رام الله، حول شقيقتين فلسطينيتين، مريم ونورا، يتوفى والدهما، فتكتشفان أن أخاهما الغائب، والمقيم في الولايات المتحدة، يستحق قانونياً نصف الميراث، رغم ابتعاده عن الأسرة وغيابه عن مسؤوليات رعاية الأب. تقرر الشقيقتان وضع خطة للاستحواذ على المال قبل أن يعرف الأخ بوفاة والده، فتدخلان في سلسلة من المواقف المتوترة والمفارقات الكوميدية، في محاولة للالتفاف على واقع تشعران بأنه يظلمهما مرتين: مرة بحرمانهما من المساواة في الإرث، ومرة بتحميلهما وحدهما أعباء الرعاية والمسؤولية الأسرية.
أكدت مالمو أن السينما تظل مساحة للقاء، وأن الاحتفاء بها لا يكتمل إلا حين نمنح الشاشة أعمالاً تجرؤ على طرح الأسئلة، وتمنح الإنسان، بكل تناقضاته وأحلامه، مكانه المستحق في الصورة
لكن ذكاء ليلى عباس يكمن في أنها لا تقدم هذه الحكاية باعتبارها مرافعة اجتماعية مباشرة، ولا تحول شقيقتيها إلى بطلتين مثاليتين تخوضان معركة أخلاقية خالية من التناقضات. على العكس، تضعهما في منطقة رمادية، حيث يتقاطع الشعور بالظلم مع الطمع والخوف والمصلحة، وحيث تصبح الوسائل التي تلجآن إليها موضع مساءلة بقدر ما يصبح النظام الذي يواجهانه موضع نقد.
هنا تتجلّى قيمة الكوميديا السوداء في الفيلم، فالضحك لا يأتي من غرابة الموقف وحدها، بل من اكتشاف العبث الكامن في نظام اجتماعي يستطيع أن يمنح رجلاً غائباً نصيباً معتبراً من ثروة أبيه، بينما يترك ابنتيه اللتين تحملتا مسؤولية رعايته ومتابعة شؤونه في مواجهة التبعات اليومية. إن الأخ الغائب لا يحتاج حتى إلى الظهور في الفيلم كي يظل حاضراً بقوة، فالقانون والتقاليد يتكفلان بحضوره نيابة عنه.
ومن هذه المفارقة تنطلق المخرجة نحو مساءلة أوسع للبنية الذكورية، دون أن تجعل القضية الفلسطينية خلفية خطابية جاهزة لكل مشهد. إنها تختار أن تنظر إلى الفلسطينيين من داخل حياتهم اليومية، وأن تقول إن المجتمع الفلسطيني، مثل سائر المجتمعات، يمتلك أسئلته الداخلية وتناقضاته ومشكلاته، وإن الحديث عن الحقوق الوطنية لا يلغي ضرورة الحديث عن حقوق النساء داخل الأسرة والمجتمع، وقد أوضحت عباس في تصريحات صحافية أن رغبتها كانت تقديم حكاية اجتماعية فلسطينية لا يكون الاحتلال طرفاً مباشراً فيها، لكي تتاح للشخصيات مساحة التعبير عن مشكلاتها الخاصة.
وتبدو هذه المقاربة مهمة، لأن السينما الفلسطينية كثيراً ما تجد نفسها مطالبة بأن تحمل القضية الوطنية في كل لحظة من لحظات سردها. لكن ليلى عباس تذهب إلى منطقة أخرى: إنها تذكّرنا بأن الفلسطيني ليس مجرد ضحية في مشهد سياسي، بل إنسان يعيش تفاصيل الحياة، ويحب ويختلف ويتزوج وينفصل ويواجه قوانين ومؤسسات وموروثات اجتماعية. وهذه التفاصيل ليست هامشاً على القضية الفلسطينية، بل جزء من صورتها الإنسانية الكاملة.
على مستوى الأداء، تشكل ياسمين المصري وكلارا خوري ثنائياً تمثيلياً متماسكاً، تنشأ بين شخصيتيهما مساحة غنية من التباين والتكامل، فمريم، التي تعيش زواجاً متعثراً وتحمل أعباء الأمومة، تبدو أكثر تردداً وحذراً، بينما تتحرك نورا بحيوية ومبادرة، مدفوعة برغبة ملحة في امتلاك قرارها وفتح صفحة جديدة في حياتها، ومن خلال المشاحنات والتفاهمات والمواقف المحرجة، تتشكل علاقة الأختين بوصفها القلب العاطفي للفيلم، فلا تعود القضية مجرد حسابات مالية، بل تصبح اختباراً للثقة والتضامن والقدرة على مواجهة العالم معاً.

وتنجح المخرجة في توظيف ضيق الزمن والمكان لصالح البناء الدرامي، فالأحداث تتحرك خلال ليلة واحدة تقريباً، بما يرفع منسوب التوتر ويمنح الحكاية إيقاعاً يقترب أحياناً من أفلام المطاردة والتحايل، فيما تتحوّل الإجراءات المصرفية والاتصالات والبحث عن شخص يستطيع انتحال صوت الأب إلى أدوات لصناعة مفارقات تجمع بين الإثارة والسخرية. ويكتسب المصرف، في هذا السياق، دلالة تتجاوز كونه مؤسسة مالية، فهو واجهة لنظام من القواعد والإجراءات التي تبدو محايدة، لكنها تتقاطع مع تفاوتات اجتماعية وقانونية أعمق.
ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من بعض التفاوت في توزيع الحكايات الفرعية، خصوصاً ما يتعلق بمشكلة مريم الزوجية وعلاقتها بابنها، إذ لا تحصل بعض هذه المسارات على التطوير الدرامي نفسه الذي تحظى به مغامرة الميراث، وكان بالإمكان منح بعض الشخصيات الثانوية عمقاً أكبر، بحيث تصبح أكثر اندماجاً في النسيج العام، لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من حيوية التجربة، ولا من قدرة الفيلم على الحفاظ على اهتمام المشاهد حتى نهايته.
سينما تحتفي بالإنسان
ما يمنح «شكراً لأنك بتحلم معنا» أهميته أنه لا يدّعي امتلاك إجابات نهائية عن العدالة أو الميراث أو العلاقات الأسرية، بل يفتح هذه الأسئلة من خلال شخصيات حية، تتصرف أحياناً بأنانية، وأحياناً بشجاعة، وتخطئ كما تصيب. إنه فيلم عن نساء يحاولن انتزاع حقهن في تقرير مصيرهن، حتى لو اضطررن إلى خوض مغامرة أخلاقية محفوفة بالمخاطر.
ومن هنا، بدا اختيار الفيلم لافتتاح المهرجان اختياراً يحمل دلالة ثقافية تتجاوز كونه عرضاً لعمل فلسطيني، فهو يضع أمام الجمهور سينما تنظر إلى المجتمع من الداخل، وتثق بقدرة الحكاية البسيطة على فتح ملفات شائكة، وتستخدم السخرية لا للهروب من الألم، بل لكشف تناقضاته.
في ختام الافتتاح، بدت الأمسية وكأنها جمعت بين زمنين: زمن الفنانين الذين راكموا تجاربهم وتركوا أثرهم في الذاكرة الفنية العربية، وزمن جيل جديد يواصل البحث عن أشكال مختلفة للسرد والتعبير. وبين التكريم والعرض، أكدت مالمو أن السينما تظل مساحة للقاء، وأن الاحتفاء بها لا يكتمل إلا حين نمنح الشاشة أعمالاً تجرؤ على طرح الأسئلة، وتمنح الإنسان، بكل تناقضاته وأحلامه، مكانه المستحق في الصورة، ففي النهاية، ليست السينما ما نراه على الشاشة فحسب، إنها أيضاً ما نكتشفه عن أنفسنا ونحن ننظر إليها، وربما كان هذا هو المعنى الأجمل لليلة الافتتاح: أن نجتمع من أجل الحلم، وأن نختلف حوله، وأن نترك للصورة فرصة كي تقول ما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله.
