تأتي تحليلات المؤرخ الفرنسي إيمانويل دي فريسكيل لتقدم إطاراً فكرياً ونفسياً يستوعب الانفجارات الاجتماعية العنيفة التي تشهدها فرنسا بين الحين والآخر، والتي تتخذ أشكالاً غير مسبوقة من العداء المباشر تجاه مؤسسات الدولة وممثليها، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان. إن المشاهد التي رافقت حركات الاحتجاج الكبرى كحركة السترات الصفراء وغيرها، والتي تجسدت في الهتافات المطالبة بإسقاط الرئيس، واستعادة طقوس الإعدام الرمزية، والاعتداء على المنازل الخاصة للممثلين المنتخبين، توضح أننا لسنا بصدد مطالب مطلبية تقليدية حول الضرائب أو القدرة الشرائية فحسب، بل أمام ظاهرة أعمق ترتبط بالتكوين البنيوي والنفسي للتاريخ السياسي الفرنسي. إن تفسير هذا العنف الداخلي والقطيعة الاجتماعية يعيدنا بالضرورة إلى الثورة الفرنسية وإلى الموروث المركب الذي صاغ الوجدان الجمعي في فرنسا.
التراث المزدوج والفصام النفسي في التقاليد السياسية الفرنسية
يمكن إرجاع جانب رئيسي من السلوك السياسي الفرنسي إلى فصام نفسي وجداني يتغذى من مرجعية تاريخية مزدوجة يتربى عليها المواطن في فرنسا. يتنازع هذا الوجدان معطيان متناقضان كلياً في ظاهريهما: التراث الملكي الهرمي القديم، والتراث الثوري التحرري. تتمثل المرجعية الأولى في التقاليد الفخمة، والاعتقاد التلقائي بالهيكلية الصارمة، والتسلسل الهرمي للمؤسسات، وهو ما يخلق في الممارسات cotidiana صغرى وكبرى نوعاً من الانصياع والتسليم لهيبة السلطة والمركزية الرئاسية. في المقابل، تبرز المرجعية الثانية المتجسدة في قيم المساواة الثورية، والحق المطلق للشعب في التمرد على كل شكل من أشكال الطغيان والتسلط.
هذا التجاور بين الثقافتين داخل ذات المواطن يولد حالة من الفصام السياسي، فهو ينزع بطبيعة تنشئته نحو قبول السلطة المطلقة وتقديس الرمز القيادي، وفي ذات الوقت يحمل رغبة جارفة في تدمير هذا الرمز وقطع رأسه عند أول صدام مع تطلعاته. هذا التناقض النفسي يوضح التبدّل السريع والمفاجئ في المزاج العام السياسي الفرنسي، حيث تتحوّل المحبة الانتخابية السريعة والانسياق خلف هيبة المؤسسة الرئاسية إلى غضب عارم يستهدف الإسقاط المادي والمعنوي لشخص الحاكم.
الثورة الفرنسية وإلغاء الماضي: الخلق من اللاشيء
تستند الجذور العميقة لأزمة الشرعية في فرنسا إلى المنطلق الأساسي الذي قامت عليه الثورة الفرنسية عام ألف وسبعمئة وتسعة وثمانين. على عكس التحولات السياسية التدريجية في دول أخرى، قام الفكر الثوري الفرنسي على افتراض بنيوي حاد مفاده أن الماضي لا يمثل مرجعية ولا يحمل أي قيمة، وأن العقد الاجتماعي يتأسس من نقطة الصفر استناداً إلى العقل المجرد والقانون الطبيعي وسيادة الشعب وفق المفهوم الروسي تفويض السلطة. أدّى هذا الانقطاع الراديكالي عن الموروث وإدراك التأسيس كعملية خلق من اللاشيء إلى تعرية السلطة الجديدة من أي تراكم تاريخي أو تقاليد مستقرة تحميها من الشك المستمر.
لقد أسفر بناء هيكلية سياسية حداثية على أنقاض سريعة للملكية عن وضع أصبحت فيه شرعية السلطة دائماً محلاً للنقاش والتصادم. الثوار الذين ادعوا تأسيس عالم جديد بالكامل وجدوا أنفسهم أمام معضلة إثبات الشرعية القاطعة للجمهورية الجديدة ولتفويضها. أدى هذا التحدي إلى اللجوء إلى الفعل العنيف كأداة حصرية وحاسمة لتثبيت الشرعية ومنع التراجع عنها، مما جعل العنف المكون التأسيسي الذي ولدت منه السياسة الفرنسية بمفهومها الحديث.
الرمزية الدموية وقتل الملك مرتين
شكّل القضاء على المؤسسة الملكية المحطة المفاصلية التي صاغت مفهوم العنف في السياسة الفرنسية. لترسيخ شرعية الجمهورية الواحدة والموحدة وغير القابلة للتجزئة، وجد الثوار أنفسهم أمام ضرورة قطع كل صلة مع النظام القديم من خلال قتل الملك مرتين. كانت المرة الأولى ذات طابع رمزي ومؤسسي، وتمت عبر الاستيلاء على القصر المباشر وإعلان سقوط الملكية وإلغاء صفة التقديس عن شخص الحاكم. أما المرة الثانية، فكانت تصفية جسدية حاسمة أعدم فيها لويس السادس عشر على أيدي الثوار في ساحة العامة.
لقد صاغ قادة الثورة مثل روبسبيرو وسان جيوست هذه الخطوة الحتمية في مقولتهم النافذة التي تلخص الصراع: يجب أن يموت لويس ليحيا الوطن. غير أن هذا الفعل التصفوي المزدوج للجسد المقدس والجسد المادي لم يفضِ إلى توحيد الأمة أو إغلاق ملف الشرعية كما يشتهي الثوار، بل فتح فجوة هائلة وعميقة بين أتباع الجمهورية ومعارضيها. هذه الفجوة الناجمة عن إحلال العنف محل التقليد التواصلي أصبحت هي الثقب الأوسط الذي تتكرر فيه دورات الغضب السياسي كلما شعرت جماعات شعبية بأن ممثليها سلبوها سيادتها.
أزمة الملكية الجمهورية وشخصنة السلطة
تتجلى هذه الديناميات التاريخية في النظام السياسي الحالي للجمهورية الخامسة، والذي يمكن وصفه بأنه نظام ملكية جمهورية. قام هذا النظام بتفريغ رمزية الملك في شخص رئيس الجمهورية الذي بات يركز في يده صلاحيات واسعة تجعله يجسد الدولة والأمة والقرار. لكن هذا التركيز السلطوي أدى إلى نتيجة عكسية؛ فبدلاً من أن يحمي النظام المؤسسي الرئاسة، أصبح شخص الرئيس هو الهدف المباشر لكل احتقان اجتماعي.
في محطات تاريخية سابقة، كانت الاحتجاجات الشعبية توجَّه نحو الوزراء، أو البلاط، أو الإدارة، بينما يظل رأس الدولة بعيداً عن الاستهداف المباشر، كما حدث في تظاهرات ثلاثينيات القرن الماضي حين استهدف المتمردون مقر البرلمان دون مقر الرئاسة. أما في التحركات الحديثة، فإن المتظاهرين يتجاوزون المؤسسات التشريعية والتنفيذية الفرعية ويتجهون رأسًا نحو قصر الإليزيه والشخص الأول في الدولة. يأتي هذا السلوك لأن الوعي الجمعي يرى في الرئيس ملكاً مسائلاً عن كل تفاصيل الاختلال الاجتماعي، والانهيار المعيشي، وفقدان شرف العمل في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى، وبالتالي يستحق الملاحقة والإسقاط بصفته المباشرة.
الفجوة بين الشرعية المتنازع عليها والشعب المقدس
يعود استمرار العنف في الفضاء العام إلى تلك المسافة الفاصلة والشاغرة دائماً بين شرعية المؤسسات المتنازع عليها، وبين شرعية الشعب الذي يرى نفسه صاحب السيادة المقدسة. عندما تعجز الانتخابات الدورية والأليات البرلمانية عن إحداث التوازن المطلوب وتجسيد إرادة الشارع، يبادر الجمهور إلى الاستدعاء المباشر لمبدأ تفوق الشعب فوق المؤسسات التي يفترض أنها تمثله.
تقتضي هذه الآلية تصوير النواب والمسؤولين المنتخبين كعائق أمام السيادة الشعبية بدلاً من كونهم أداة لممارستها. هنا ينشأ العنف السياسي في فرنسا من الشعور التلقائي بأن التمثيل النيابي يتضمن مصادرة للحرية الشعبية، وأن الوسيلة الوحيدة لاستعادة هذه السيادة هي الممارسة الفائقة للضغط الميداني الشارعي، والتهديد المباشر للنواب في منازلهم وفي أماكن عملهم، لتذكيرهم بشرط التفويض الذي يعتقد الشعب أنه يملك سحبه في أي لحظة وبصورة غير قسرية.
نهاية الدورات التاريخية وفقدان السيطرة في العالم المعولم
لا يمكن فصل مظاهر العنف الراهنة عن التوقيت الاجتماعي والاقتصادي الذي تظهر فيه، إذ تتفجر هذه الحركات حين يصل الشارع إلى قناعة بأن أدوات الارتقاء والمصعد الاجتماعي قد تعطلت بالكامل، وأن المستقبل لم يعد يحمل وعداً بالتقدم أو تحسين ظروف الحياة مقارنة بالماضي. ترتبط هذه الأزمة بنهاية دورات تاريخية كبرى بدأت مع الإصلاحات الذاتية والفردية في العصور الحديثة والتي جعلت العقل والفرد مركز العالم، ومرَّت بالإصلاحات الاجتماعية والرفاهية التي تلت الحرب العالمية الثانية مع آليات إعادة التوزيع.
اليوم، مع تراجع قدرة الدولة القومية أمام هيمنة العولمة، وتأخر الإصلاحات الشاملة، أصبحت البيروقراطية الإدارية والمبادئ التحوطية الصارمة تُشعر المواطنين بأنهم مراقبون ومُسيرّون من الأعلى بواسطة أجهزة مجهولة وفاقدة للروح. تولد هذه الوضعية شعوراً مزدوجاً وخطيراً ينطوي على الإحساس بفقدان المساواة الاقتصادية وفقدان الحرية الشخصية والسياسية في وقت واحد. ومن هنا يأتي العنف كغريزة بقاء ردعية ضد عالم يهرب من سيطرة الأفراد وتتضاءل فيه قدرتهم على التأثير في مصيرهم، ليتراجع الإيمان ببناء عالم أفضل ويحل محله التمرد للحفاظ على السيطرة والمكانة المتبقية.
