لا تتحدد خصوصية تجربة الفنانة البصرية السورية بشرى مصطفى في تنوع الوسائط التي تعمل من خلالها فحسب، بل في استكشافها العلاقة بين الإنسان وذاكرته ومكانه، وبين التجربة كما تُعاش وآثارها التي تستمر بعد التحوّلات والخسارات، فالنحت والرسم والتركيب والفيديو ليست مسارات منفصلة في عالمها الفني، بل وسائط تتقاطع عند أسئلة الجسد والهوية والانتماء، وعند ما يتركه العنف والاقتلاع من آثار في الإنسان وفي محيطه.
تتجاوز الهشاشة في هذه التجربة معنى الضعف أو الانكسار، لتصبح مدخلاً إلى فهم الإنسان في علاقته بعالم غير مستقر، فالجسد والبيت والباب والأنقاض والحركة لا تحضر بوصفها موضوعات بصرية فحسب، بل باعتبارها عناصر تحمل آثار التجربة وتكشف عن استمرار الماضي في تشكيل الحاضر. ومن هنا، لا تبدو الذاكرة استعادةً لما مضى بقدر ما تبدو عملية متواصلة يُعاد من خلالها تشكيل العلاقة بالذات وبالعالم.
غير أن قراءة هذه الأعمال لا تكتمل بتحديد دلالاتها الإنسانية وحدها، إذ يظل السؤال النقدي متعلقاً بكيفية تحوّل الفكرة إلى بنية فنية، وبما تضيفه المادة والتكوين والوسيط إلى المعنى، فمن خلال هذا التوتر بين الموضوع وطريقة تجسيده، يمكن الاقتراب من خصوصية تجربة مصطفى، ومن الإمكانات التي تتيحها أعمالها للتأمل في الذاكرة والفقد والتحوّل.
الجسد والمادة: أشكال الذاكرة
يحتل الجسد موقعاً مركزياً في تجربة مصطفى، لكنه لا يظهر دائماً بوصفه كياناً مكتملاً أو صورة مستقرة للإنسان. إنه جسد قابل للتحوّل، تتداخل فيه الإشارات الإنسانية والحيوانية، وتبتعد بعض تكويناته عن النسب المألوفة، بما يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز التشخيص المباشر إلى الحالات النفسية والوجودية التي يمكن أن يستحضرها الشكل.
لا يكون المكان خلفية محايدة للتجربة الإنسانية، إنه جزء من تكوينها، وحين يتغيّر أو ينهار تتغيّر معه إمكانات الاستقرار والانتماء واستعادة الماضي
تتضح هذه المقاربة في عمل “الجسد بوصفه ذاكرة سائلة“، المعروف أيضاً ضمن سلسلة “الأنقاض 2، فالذاكرة، وفق هذا المنظور، ليست مخزوناً ثابتاً يستعيد الماضي كما وقع، بل أثر متغيرّ تتداخل فيه التجربة والرحيل والتحوّلات التي تصيب الهوية، وكما قد يبقى المكان حاضراً في الوعي بعد فقدانه مادياً، يحمل الجسد آثار ما مرّ به، من دون أن يستعيد صورته السابقة كاملة.
وتكتسب المادة هنا أهمية تتجاوز كونها وسيلة لتنفيذ الفكرة، فعجينة الورق تتيح إمكانات تشكيلية تختلف عن تلك التي يوفرها البرونز، من حيث خصائص المادة وطبيعة حضورها الحسّي. لكن هذه الفروق لا تنتج معنى محدداً بصورة تلقائية، إذ تتوقف دلالتها على كيفية توظيفها في العمل، وعلى علاقتها بالكتلة والسطح والفراغ والنسب.
ومن ثم، لا يكفي القول إن هشاشة المادة تناسب هشاشة الذاكرة أو الجسد. الأهم هو النظر في الكيفية التي تجعل بها البنية التشكيلية هذه العلاقة محسوسة، وفي ما إذا كان الشكل يضيف إلى الفكرة بعداً لا يمكن اختزاله في وصف لفظي، فحين تتكامل المادة والتكوين، يصبح العمل قادراً على إنتاج تجربة حسّية وفكرية تتجاوز المعرفة المسبقة بموضوعه.
بهذا المعنى، لا يكون الجسد أرشيفاً يحفظ الذكريات في صورة مرتبة، بل بنية تتغيّر بفعل التجربة، وتحتفظ بآثارها حتى حين يتعذر استعادتها أو تفسيرها بصورة كاملة.
المكان والخراب: حين يصبح الأثر شاهداً
في “الأنقاض 1” ومشروع “الأبواب”، تنتقل العلاقة بين الذاكرة والجسد إلى المكان، ولا سيما المكان الذي فقد وظيفته أو تعرّض للدمار. غير أن الأنقاض والأبواب لا تؤدي الدور نفسه، فالأنقاض تستحضر بقايا بنية تعرّضت للتفكك، بينما يحتفظ الباب بهيئة عنصر معماري كانت له وظيفة محددة داخل البيت. ومن هذا الاختلاف تنشأ إمكانات مختلفة للتأمل في الغياب.
في مشروع “الأبواب” 2017–2018، تستخدم مصطفى أبواباً مأخوذة من منازل دمرتها الحرب السورية. كانت هذه الأبواب تفصل الداخل عن الخارج، وتحمي خصوصية البيت، وتحدد حدوده. لكن اقتلاعها من سياقها يغيّر وظيفتها ويعيد تشكيل علاقتها بالمكان: فما كان جزءاً من الحياة اليومية يصبح شاهداً على غياب البيت وأصحابه.

لا تستعيد الأبواب المنازل التي جاءت منها، ولا تعيد بناء الحياة التي كانت تجري خلفها. إنها تحتفظ بأثر مادي من عالم لم يعد قائماً بالصورة نفسها، وتستحضر ما غاب من دون أن تحوّله إلى حكاية مكتملة. ومن هنا تنبع مفارقتها، فالعنصر الذي كان يحدد حدود المنزل ويحمي خصوصيته يغدو، بعد اقتلاعه، علامة على انقطاع الصلة بذلك المكان.
ويتيح انتقال هذه العناصر إلى فضاء العرض تحوّلاً آخر في معناها: فما كان مرتبطاً ببيت بعينه يدخل في مجال الذاكرة الجماعية، من دون أن يفقد صلته بتاريخه المادي. لكن قوة هذا التحوّل لا تتحدد بموضوع الحرب وحده، إذ تظل مرتبطة بكيفية تقديم العناصر في الفضاء، وبالعلاقة بين حضورها المادي وما تستدعيه من غياب.
أما الأنقاض، فتطرح مسألة مختلفة، فهي لا تشير إلى مكان مفقود فحسب، بل إلى تفكك البنية التي كانت تمنحه تماسكه، ومن خلال بقايا المكان، يصبح الخراب مدخلاً للتفكير في هشاشة العلاقة بين الإنسان وبيئته، وفي ما يصيب الذاكرة والانتماء حين تتعرض الشروط المادية للحياة للتدمير.
وبذلك، لا يكون المكان خلفية محايدة للتجربة الإنسانية، إنه جزء من تكوينها، وحين يتغيّر أو ينهار تتغيّر معه إمكانات الاستقرار والانتماء واستعادة الماضي.
اللامرئي: العمى بوصفه موقفاً من العالم
في مشروع ” اللامرئي” (2021–2022)، تنتقل مصطفى من مساءلة الجسد والمكان بوصفهما حاملين لآثار التجربة إلى مساءلة العلاقة بين الرؤية والمعرفة، فالإبصار لا يضمن الفهم، وما يظهر أمام العين لا يتحوّل بالضرورة إلى معرفة أو اعتراف، وقد يرى الإنسان ما يحدث من حوله، لكنه يظل أسيراً لأحكام تمنعه من مراجعة ما يعتقد أنه يعرفه.
يمكن قراءة المشروع انطلاقاً من إحالته إلى أفكار جورجياس، أحد أبرز ممثلي الحركة السفسطائية، ولا سيما تشكيكه في إمكان بلوغ المعرفة اليقينية ونقل الحقيقة إلى الآخرين. غير أن العمل لا يقف عند حدود السؤال الفلسفي حول إمكان معرفة الحقيقة، بل ينقله إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي، حيث يصبح العمى استعارة عن العجز عن مراجعة القناعات، وعن الإعراض عن قيم الديمقراطية والمساواة، سواء أكان ذلك بوعي أم من دونه.
في عمل “العمى”، يمكن فهم العمى بوصفه استعارة عن تعطّل القدرة على مراجعة القناعات والانفتاح على الاختلاف، فالمشكلة، وفق هذه القراءة، لا تتعلق بغياب الرؤية البصرية، بل بتحوّل المعتقدات إلى حدود فاصلة بين الذات والآخر، وباستخدامها لتبرير الإقصاء ورفض أنماط الحياة والأفكار المختلفة.
تتصل هذه المقاربة بأسئلة اجتماعية وأخلاقية أوسع، من بينها الاعتراف المتبادل والمساواة وإمكان العيش المشترك. لكنها تكتسب قوتها النقدية حين تُقرأ من خلال بنية العمل نفسه، لا من خلال رسالته المفترضة وحدها، فالسؤال ليس فقط عما يرمز إليه العمى، بل كيف يبني العمل هذه الاستعارة، وما الذي يتيحه شكله من إمكانات للتأويل.

ومن هنا، يتجاوز مفهوم الرؤية حدود الحاسّة ليصبح سؤالاً عن الموقف من العالم، فإذا كانت الأنقاض والأبواب تكشفان آثار العنف في المادة والمكان، فإن “العمى” يفتح المجال للتفكير في أشكال أخرى من العنف، تنشأ حين تتصلب الأحكام وتتعطل القدرة على الاعتراف بتعدد التجارب ووجهات النظر.
الحركة والزمن: من الصورة إلى التجربة
في فيديو “كل شيء في حركة، حتى عندما يبدو كل شيء ساكناً”، تتخذ الحركة معنى يتجاوز الانتقال من مكان إلى آخر، لتصبح مدخلاً للتفكير في الزمن والتحوّل. فالتوتر بين جسد يتحرّك ومحيط يبدو ساكناً يفتح احتمالاً لقراءة العلاقة بين التغيّر الداخلي والثبات الظاهري، وبين ما يحدث فعلاً وما يمكن إدراكه من الخارج.
لا يكون السكون هنا نقيضاً للحركة بالضرورة، بل حالة قد تخفي انتظاراً أو توتراً أو تحوّلاً لا يظهر مباشرة، ومن خلال هذه المفارقة، تتولد أسئلة عن الوصول والرحيل، والتمسك والتخلي، وعن استمرار الإنسان في الحركة حتى حين يبدو عالقاً في مكانه.
وتختلف تجربة الفيديو عن تجربة المنحوتة في الطريقة التي يتشكل بها المعنى عبر الوسيط، فالفيديو يتيح بناء التجربة من خلال المدة والإيقاع والتكرار، بينما تستدعي المنحوتة حركة المتلقي حولها واكتشافها من زوايا مختلفة، ولا يتعلّق هذا الاختلاف بالتقنية وحدها، بل بنوع العلاقة التي تنشأ بين العمل والمتلقي: ففي أحدهما يتكشّف المعنى عبر الزمن المتتابع، وفي الآخر عبر الحضور المادي وتغيّر موقع المشاهدة.
ويتواصل البحث في العلاقة بين الحركة والوسيط في تعاون مصطفى مع فرقة أسامبورا، حيث تصبح الموسيقى محفزاً بصرياً وحركياً. ولا تقوم التجربة، وفق هذا التصور، على ترجمة حرفية للصوت إلى صورة، بل على استكشاف ما يمكن أن ينشأ من التقاء الإيقاع والتوتر الموسيقي بالحركة والصورة.
تكمن أهمية هذا التعاون في إمكان بناء علاقة بين وسائط تحتفظ كل منها بخصوصيتها، مع إتاحة مجال لتوليد معانٍ مشتركة، ومع ذلك، فإن تقييم هذه العلاقة يقتضي النظر في العمل المشترك نفسه، وفي كيفية تفاعل العناصر السمعية والبصرية، لا الاكتفاء بوصف التجربة بأنها حوار بين الموسيقى والصورة.
وهكذا تتسع الحركة لتصبح مبدأً يتجاوز الجسد المادي، فهي تتصل بالزمن، وبالاستجابة الحسّية، وبالأثر الذي يستمر بعد انقضاء لحظة المشاهدة أو الاستماع.
السخرية والاحتمال: الإنسان في مواجهة المجهول
لا تقتصر تجربة مصطفى على الذاكرة والخراب، إذ تفتح السخرية والغرابة مساراً آخر للتفكير في القلق الإنساني، وفي التوتر بين الرغبة في الحماية والانكشاف على عالم غير قابل للتنبؤ.
في منحوتة “السلحفاة” The Turtle، 2009–2010))، يتداخل الجسد الإنساني مع السلحفاة في تكوين يستدعي أسئلة عن الحماية والبطء والشيخوخة، وتتحوّل الصدفة إلى استعارة محتملة للبيت والملاذ، لكنها تحمل مفارقة: فما يحمي الكائن قد يعزله أيضاً، وما يمنحه الأمان قد يتحوّل إلى حد يفصله عن العالم.
لا تتحدد دلالة العمل في الرمز وحده، بل في العلاقة التي يقيمها التكوين بين عناصره، وفي ما يثيره من غرابة إزاء الصورة المألوفة للجسد، ومن خلال هذا التداخل، يصبح الأمان موضوعاً ملتبساً، فهو ضرورة إنسانية، لكنه قد يرتبط أيضاً بالانغلاق والبطء وصعوبة مواجهة المجهول.
لا تقدم تجربة مصطفى إجابات نهائية عن الذاكرة والفقد والانتماء، بقدر ما تتيح التفكير في ما يستمر بعد التحوّل والخسارة، وتكمن إحدى إمكاناتها في تحويل الأثر من علامة على الغياب إلى شكل آخر من أشكال الحضور
أما “الاحتمالات” 2013–2014، فيحضر فيه الجوكر بوصفه رمزاً للاحتمال غير المتوقع، وتتصل هذه الشخصية بإمكان قلب التوقعات وإرباك الحدود المستقرة بين الأمل والخوف، والخلاص والتهديد، فالمجهول لا يقدم وعداً بالنجاة، كما لا يعني بالضرورة وقوع الكارثة. إنه مجال مفتوح على نتائج متعارضة لا يمكن حسمها سلفاً.
وفي العملين، لا تبدو السخرية نقيضاً للألم، بل وسيلة لتغيير زاوية النظر إليه. كما لا تكون الغرابة مجرد خروج عن المألوف، بل أداة لإرباك التصورات الثابتة عن الجسد والهوية والأمان، ومن خلال ذلك، تتسع التجربة لتشمل تناقضات الإنسان، لا خساراته وحدها.
نحو رؤية نقدية شاملة: ما الذي يبقى؟
تجمع تجربة بشرى مصطفى بين الجسد والمكان والمادة والحركة، وتبحث في الكيفية التي تستمر بها آثار التجربة الإنسانية بعد تغيّر شروطها أو زوالها، فالأنقاض لا تستحضر الخراب وحده، والأبواب لا تشير إلى البيوت المفقودة فحسب، والجسد لا يقتصر على حضوره المادي، إذ يمكن لكل منها أن يحمل أثراً يتجاوز وظيفته المباشرة، ويعيد تشكيل العلاقة بين الماضي والحاضر.
وتكشف تعددية الوسائط عن إمكانات مختلفة لمعالجة هذه الأسئلة، فالمادة تتيح حضوراً حسّياً، والحركة تنظم التجربة عبر الزمن، والعناصر المعمارية تستدعي العلاقة بين الإنسان ومكانه، فيما تفتح الاستعارات مجالاً للتفكير في حدود المعرفة والاختلاف والاحتمال. غير أن تنوّع الوسائط لا يشكل قيمة في ذاته، إذ تظل أهميته مرتبطة بما يضيفه كل وسيط إلى التجربة، وبقدرته على إنتاج معنى لا يختزل في الموضوع أو الرسالة.
من هنا، تقتضي القراءة النقدية التمييز بين أهمية القضايا التي تتناولها الأعمال وبين نجاح معالجتها فنياً، فالحرب والفقد والهوية موضوعات ذات ثقل إنساني، لكنها لا تضمن وحدها قوة العمل، وتظل القيمة الفنية مرتبطة بالعلاقة بين الفكرة والتكوين، وبين الرمز وخصوصية المادة، وبين ما يوجّه المتلّقي إلى معنى معين وما يتركه العمل مفتوحاً للتأويل.
وحين تصبح الدلالة معلنة أكثر مما ينبغي، قد يتراجع المجال الذي يسمح للصورة بأن تفاجئ المتلقي أو تقاوم التفسير الواحد، لذلك لا يكفي أن نسأل عما تريد الفنانة قوله، بل ينبغي أن نتأمل كيف ينتج العمل معناه عبر الشكل والملمس والكتلة والفراغ والإيقاع، وكيف يتيح للمتلقي أن يختبر هذه العناصر قبل أن يحوّلها إلى أفكار.
لا تقدم تجربة مصطفى إجابات نهائية عن الذاكرة والفقد والانتماء، بقدر ما تتيح التفكير في ما يستمر بعد التحوّل والخسارة، وتكمن إحدى إمكاناتها في تحويل الأثر من علامة على الغياب إلى شكل آخر من أشكال الحضور، حضور لا يمحو الخسارة ولا يدّعي تجاوزها، بل يمنحها مجالاً للتأمل وإعادة القراءة.
وبين ما بقي وما تعذّر استعادته، تتشكل لغة فنية تضع الهشاشة في قلب التجربة الإنسانية، من دون أن تجعلها تفسيراً وحيداً لكل عمل، وتبقى قوة هذه التجربة مرهونة بقدرتها على أن تجعل المادة والصورة والحركة تنتج معانيها الخاصة، وأن تترك للعمل الفني ما ينبغي أن يحتفظ به من غموض واحتمال واستقلال عن الشرح.
