ثمة قصائد تعبر أفئدتنا وتستقر فيها لا يعود السؤال عنها ممكناً من دون الحكاية التي أحاطت بها، وحوّلتها إلى أحجية في حياتنا، ومع مرور الزمن، قد تصبح هذه الأحجية أشهر من القصائد نفسها، وقد يغدو ما يُروى عن ولادة قصيدة ما جزءاً من تكوينها الصارخ في “الوجدان العمومي”، إن جاز التعبير، حتى ليصعب التمييز بين الكلمات التي كتبها شاعرها، والتخييل الشفوي الذي كرّسه هذا الوجدان حول تلك الكلمات. عند هذه النقطة بالذات، لا نكون أمام نص شعري باذخ فحسب، بل أمام أسطورة ثقافية كاملة، لها شخوصها ووقائعها وذاكرتها الخاصة.
هذا، في ظني، هو المدخل لإعادة النظر في حكاية أغنية “وحدن”، التي كتبها طلال حيدر وغنّتها السيدة فيروز، بألحان العبقري الراحل زياد الرحباني، وقد التصقت بها على مدى عقود رواية الفدائيين الثلاثة الذين مضوا إلى فلسطين، ولم يعودوا. وهي الرواية التي حضر طيفها في فيلمي الوثائقي “وحدن”، الذي أنجزته عام 2014، حيث شكّلت القصيدة مع شاعرها الكبير خيطاً شعرياً درامياً يصل بين تجارب سينمائية لبنانية حملت هواجس فلسطينية، واستغرقت فيها، وبين الذاكرة والمقاومة والغياب. واليوم، بعدما عاد الشاعر طلال حيدر في صومعته البعلبكية إلى الحديث عن القصيدة في حواره الأخير مع الإعلامية هلا المر، يصبح من الضروري أن نسأل: ماذا يحدث حين يعيد صاحب القصيدة فتح حكاية أراد الجمهور أن يتعامل معها بوصفها حقيقة؟ وهل يكفي أن تتغيّر رواية الشاعر حتى تتبدد ذاكرة تشكلت حولها طوال عقود.

من واقعة تاريخية إلى حكاية مكتملة
تربط الرواية أساساً بين “وحدن” وعملية الخالصة الانتحارية التي نفذها ثلاثة فدائيين فلسطينيين في 11 نيسان/أبريل 1974. وبحسب هذه الحكاية، كان أولئك المقاتلون مصدر إلهام القصيدة التي صوّرت وجوهاً تمضي في عتمة الطريق ولا تعود. غير أن قرينة زمنية أساسية تضع هذه الرواية أمام سؤال لا يمكن تجاهله: فقد أشار الكاتب محمد حجير في مقاله “طلال حيدر: زوربا البعلبكي” على ما أذكر، وتناقشت معه في حينه عبر فيسبوك، في مقال نشره موقع (المدن) عام 2020، إلى أن القسم الأكبر من القصيدة كان قد نُشر في الملحق الثقافي لجريدة “النهار” البيروتية في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1966، أي قبل العملية بثماني سنوات، ونقل أيضاً عن حيدر رواية أخرى عن ابن البقاع الذي يقضي ليله وحيداً، لا يسمع سوى عواء الذئب والريح.
بالتأكيد لا تحسم هذه القرينة وحدها جميع التفاصيل المتعلّقة بتاريخ كتابة القصيدة وصيغتها النهائية، لكنها تجعل نسبة أصلها إلى عملية 1974 إشكالية تاريخية. وهذا ما يفرض التمييز بين ثلاثة أشياء كثيراً ما جرى دمجها: تاريخ القصيدة، ومصدر إلهامها، والتأويل الذي اكتسبته بعد أن “غزت” الوجدان الجمعي،
إذ قد تكون القصيدة كُتبت في سياق شخصي أو مكاني مختلف، وهذا وارد، ثم وجدت في حكاية الفدائيين ما يوسّع دلالتها ويمنحها حياة أخرى، لكن اكتسابها معنى جديداً لا يعني أن هذا المعنى يثبت رواية عن نشأتها.
أسطورة الشاعر أم أسطورة القصيدة؟
كتبت يومها تعليقاً على مقالة حجيري على صفحتي. قلت إن أقرب الأمثلة الأدبية إلى هذه المسألة قصيدة الشاعر الإنكليزي صموئيل تايلور كولريدج “كوبلاي خان” التي لم تتوقّف الأسئلة حولها عند صورها الغرائبية وإيقاعها الحلمي، بل امتدت إلى الظروف التي قيل إنها وُلدت فيها.

في المقدمة التي ألحقها كولريدج بالقصيدة عند نشرها سنة 1816، روى أنه كان في حالة نوم أو غفوة عميقة، متأثراً بتناول الأفيون، حين تدفقت عليه مئات الأسطر الشعرية، وحين استيقظ، بدأ تدوين ما يتذكّره، إلى أن قاطعه شخص جاءه في مهمة من بلدة بورلوك، وبعد مغادرة ذلك الشخص، زعم أنه عجز عن استعادة بقية القصيدة التي تراءت له في غفوته.
هكذا وُلدت شخصية “الرجل القادم من بورلوك”، التي تحوّلت لاحقاً إلى رمز ثقافي للمقاطعة التي تقتل الإلهام، أو للحظة التي يتبدد فيها ما لا يمكن استعادته من الخيال، لكن القصة لم تمر على النقّاد بوصفها حقيقة نهائية، فقد شكك بعضهم في صدقية رواية كولريدج، فيما زادت مخطوطة “كرو” التي اكتُشفت عام 1934 المسألة تعقيداً، إذ ضمّت تفسيراً أسبق لنشأة القصيدة، يتحدّث عن حالة من الشرود أو الرؤيا، نتجت عن تناول مقدار من الأفيون، لكنه لا يطابق تماماً الرواية المنشورة سنة 1816، ولا يذكر الرجل القادم من بورلوك بالصورة نفسها. كما تكشف الاختلافات بين المخطوطة والنص المنشور عن عمل شعري وتعديلات، لا عن نص يمكن التسليم بأنه انتقل كاملاً من الحلم إلى الورق من دون تدخل واعٍ
هنا تتخذ قضية “وحدن” بُعدها الأخلاقي والثقافي، صحيح أن الشاعر ليس ملزماً بأن يظل أسير أول تفسير قدّمه لقصيدته، ولا يفقد حقّه في تعديل روايته أو تصحيحها أو حتى الامتناع عن الكشف عن مصدر إلهامها، كما أن الذاكرة، بعد عقود، ليست تسجيلاً آلياً لا يتغيّر، لكن حرية الشاعر في رواية تجربته لا تلغي مسؤوليته عن أثر كلامه في “الوجدان العمومي” المرتبط عاطفياً وإنسانياً ونضالياً بقضية مقدّسة
وقد ناقشت الباحثة لورا مونيهام وايت هذه المسألة في دراسة منشورة في مجلة Connotations الأكاديمية، معتبرة أن سؤالنا لا ينبغي أن يقتصر على صدق رواية كولريدج، بل يجب أن يشمل الدور الذي أدته المقدمة في تشكيل فهمنا للقصيدة نفسها.
المفارقة هنا أن الشك في الحكاية لم ينتقص من قيمة القصيدة، بل جعل تاريخها أكثر ثراء، فسواء كان كولريدج قد تذكر ما جرى بدقة، أو أعاد ترتيب تجربته، أو صاغ جزءاً من روايته على نحو يخدم تصوراً معيّناً للشاعر الملهم، فقد أصبحت حكاية الكتابة جزءاً من استقبال العمل وتأويله.
بالطبع ليس المقصود هنا مساواة حالة كولريدج بحالة طلال حيدر في كل التفاصيل، بل التنبيه إلى أن الأسطورة المحيطة بالنص يمكن أن تكون قوة فاعلة في حياته، حتى حين تبقى الوقائع التي أنشأتها موضع خلاف.
هل يصبح الشاعر مسؤولاً عن المنطقة الملتبسة في النص؟
هنا تتخذ قضية “وحدن” بُعدها الأخلاقي والثقافي، صحيح أن الشاعر ليس ملزماً بأن يظل أسير أول تفسير قدّمه لقصيدته، ولا يفقد حقّه في تعديل روايته أو تصحيحها أو حتى الامتناع عن الكشف عن مصدر إلهامها، كما أن الذاكرة، بعد عقود، ليست تسجيلاً آلياً لا يتغيّر، لكن حرية الشاعر في رواية تجربته لا تلغي مسؤوليته عن أثر كلامه في “الوجدان العمومي” المرتبط عاطفياً وإنسانياً ونضالياً بقضية مقدّسة، إذا كان قد أسهم في تثبيت حكاية معينة أو تركها تتداول باسمه على نحو يمنحها سلطة الحقيقة. هنا ينبغي التفريق بين حقه في الغموض، وحق الجمهور في مساءلة الروايات التي تشكلت حول أعماله.
لقد جاء الشعر دائماً من منطقة ملتبسة تتداخل فيها التجربة الشخصية بالمخيلة، والواقعة بالتأويل، إلا أن هذا الالتباس لا يمنح كل رواية قيمة تاريخية متساوية، فالقصيدة تستطيع أن تتحمّل تعدد القراءات، بينما تحتاج الواقعة التاريخية إلى أدلة يمكن فحصها ومقارنتها. ومن هذه الزاوية بالتحديد، لا أرى أن التقدم في العمر يصلح عذراً جاهزاً ل”زوربا البعلبكي” ليحكي عن تأثره برواية (الأم) لمكسيم غوركي، كما لا أرى أن اختلاف رواياته يكفي لاتهامه بالتضليل المتعمد. الأجدى أن نقرأ كل رواية في سياقها، وأن نسأل عما قيل فعلاً، ومتى قيل، وما الذي تؤيده الوثائق المتاحة. لا ينبغي أن تتحوّل محبة الشاعر إلى حصانة من المساءلة، مثلما لا ينبغي أن يتحوّل النقد إلى محاكمة للنوايا لا نملك دليلًا عليها.
ماذا يبقى من الفيلم حين تتغيّر الحكاية؟
حين أنجزت فيلم “وحدن” سنة 2014، لم تكن قصيدة طلال حيدر مجرد موضوع للتحقيق في أصل أغنية. كانت أيضاً فضاءً شعرياً يجمع تجارب سينمائية تتصل بالغياب والذاكرة المشتركة الفلسطينية واللبنانية والمقاومة، ويتيح قراءة مصائر فنية وإنسانية عبر نص اكتسب حضوراً استثنائياً في حياتنا بصوت فيروز وألحان زياد الرحباني.
لكن إعادة النظر في حكاية الفدائيين تستدعي سؤالاً عن طبيعة البناء الوثائقي نفسه: هل كان الفيلم يسجل رواية شائعة في زمنها، أم يقدمها بوصفها واقعة تاريخية مثبتة؟ وهل يمكن الفصل بين القيمة الشعرية التي منحتها القصيدة للفيلم، وبين صحة الحكاية التي التصقت بها؟
إن سقوط رواية عن مصدر الإلهام لا يسقط تلقائياً جميع الدلالات التي اكتسبها النص لاحقاً، لكنه يقتضي التمييز بين الحقيقة التي يمكن توثيقها، والذاكرة التي يمكن فهم تشكلها، والأسطورة التي يمكن قراءة آثارها في الثقافة. وربما يستطيع الفيلم اليوم أن يصبح، إلى جانب موضوعه الأصلي، وثيقة عن الطريقة التي تتشكل بها ذاكرة جماعية، وعن قدرة حكاية واحدة على إعادة ترتيب استقبال قصيدة كاملة، استقرت في وعي ووجدان الناس إلى هذا الحدّْ..
حين تعيش القصيدة أكثر من رواية
في النهاية، لا تنحصر قيمة “وحدن” في أن نعرف، على وجه اليقين، من هم الأشخاص الذين ألهموا الشاعر، أو إن كان ثمة أشخاص محددون وراءها. قيمتها الأعمق تكمن في قدرتها على توليد صور تتجاوز مناسبة كتابتها، وفي تحولها إلى مساحة تلتقي فيها تجارب شخصية وجماعية، وذاكرة سياسية وفنية، وأحزان لم تجد دائمًا لغتها إلا في الشعر.
لكن احترام الأسطورة لا يعني تزوير التاريخ، كما أن كشف هشاشة رواية تاريخية لا يلزمنا بإلغاء الأثر الذي أحدثته في الوجدان. لعلَّ ما تكشفه المقارنة مع “كوبلاي خان” هو أن حياة القصيدة لا تنتهي عند اللحظة التي يضع فيها الشاعر قلمه. إنها تستمر في الروايات التي تُنسج حولها، وفي تأويلات القرّاء، وفي الجدل حول ولادتها، هذا الجدل الذي لا يُراد له أن ينتهي بلقاء ثاني وثالث ورابع مع طلال حيدر، سواء إن كان في غفوة عميقة أو لا!
ليس المقصود هنا مساواة حالة كولريدج بحالة طلال حيدر في كل التفاصيل، بل التنبيه إلى أن الأسطورة المحيطة بالنص يمكن أن تكون قوة فاعلة في حياته، حتى حين تبقى الوقائع التي أنشأتها موضع خلاف
ويظل السؤال الأهم: هل يملك الشاعر وحده حق تحديد الحكاية النهائية لقصيدته، أم أن العمل، حين يدخل الذاكرة والوجدان، يصبح جزءاً من تاريخ أوسع لا يستطيع صاحبه أن ينفرد بكتابته؟ ربما لا تحتاج “وحدن” إلى حكاية واحدة كي تبقى متفرّدة، ربما، لكنها تحتاج، مثل كل نص كبير، إلى أن نميز بين الأسطورة التي صنعت حولها، والحقيقة التي يمكن إثباتها أو دحضها، والشعر الذي يواصل حياته بعد أن تتغيّر الحكايات، وهذا، في تقديري، ليس انتقاصاً من طلال حيدر، ولا تراجعاً عن فيلم أُنجز في زمن محدد. إنه دفاع عن حق الشعر في الغموض، وحق التاريخ الأدبي في التدقيق، وحق الذاكرة الجماعية في أن تعيد النظر في رواياتها من دون أن تتنكر لما صنعته تلك الروايات من أثر وجمال ومراوغة جميلة في الوعي الجمعي حين يكون ملتصقاً بقضية نبيلة.
