ضمن مشاركته في مسابقة الأفلام الوثائقية بمهرجان السينما الفلسطينية في مالمو، يطرح الفيلم الوثائقي «فلسطيني غير مرغوب فيه» للمخرج الفلسطيني الدنماركي عمر شرقاوي تجربة سينمائية تتجاوز حدود التوثيق المباشر، لتقترب من السيرة الذاتية وأسئلة الهوية والذاكرة والمنفى.
في هذا العمل، لا يدخل شرقاوي إلى الموضوع الفلسطيني من بوابة الحكاية العامة وحدها، بل يختار أن يبدأ من موقع شديد الخصوصية: موقع الإنسان الذي يجد نفسه ممزقاً بين انتماءين وذاكرتين وعالمين، ويكتشف أن هويته ليست مجرد مسألة ثقافية أو عائلية، بل تجربة يومية تتعرض للاختبار أمام الأحداث السياسية والمواقف الأخلاقية.
ومن هذه النقطة يبني شرقاوي عملاً يجعل من المخرج نفسه شخصية داخل الفيلم، ومن تجربته الشخصية أداة لقراءة واقع أوسع. فهو لا يكتفي بتسجيل ما يحدث، وإنما يضع ذاته أمام الكاميرا، ويجعل من أسئلته ومواقفه ومشاعره جزءاً من المادة السينمائية.
تكمن أهمية هذا الاختيار في أن المخرج لا يقدم نفسه بوصفه مراقباً محايداً يقف خارج الحدث، بل بوصفه طرفاً متورطاً فيه عاطفياً وسياسياً وإنسانياً. إنه لا يكتفي بتسجيل ما يحدث في غزة أو رصد ردود الفعل في الدنمارك، وإنما يضع ذاته أمام الكاميرا، ويجعل من ارتباكه وغضبه وعجزه وأسئلته جزءاً من المادة السينمائية، وهنا تتشكل إحدى السمات الأساسية في أسلوبية الفيلم: الانتقال من الوثيقة التي تتحدث عن الآخرين إلى الوثيقة التي تكشف أيضاً عن صاحبها.
من السيرة الذاتية إلى الوثيقة الجماعية
يبدو البناء السردي للفيلم قائماً على حركة متبادلة بين مستويين متداخلين: المستوى الشخصي الذي يتابع تجربة شرقاوي وعلاقته بهويته الفلسطينية والدنماركية، والمستوى العام الذي يتناول الحراك الفلسطيني في الدنمارك، ومواجهة السياسيين ووسائل الإعلام، ومحاولة خلق مساحة من الاهتمام والنقاش حول ما يجري في غزة.
هذا التداخل يمنح الفيلم طبيعته المركبة، فالمخرج لا يقدم سيرة ذاتية منفصلة عن العالم، ولا يصنع فيلماً سياسياً مجرداً من التجربة الإنسانية، بل يجعل المسارين يتبادلان التأثير، فكل موقف يواجهه في المجال العمومي يعود ليطرح سؤالاً داخل حياته الخاصة، وكل استعادة للذاكرة العائلية تمنح مواقفه الحاضرة عمقاً يتجاوز اللحظة الراهنة.
إنها بنية تقوم على تداخل الخاص والعام، حيث تصبح الذات نقطة انطلاق نحو قراءة المجتمع، ويصبح المجتمع مرآة تكشف تناقضات الذات وأسئلتها.
المونتاج بوصفه جسراً بين زمنين
من أبرز العناصر التي تمنح الفيلم خصوصيته انتقاله بين زمن الحاضر، الذي يبدأ بعد السابع من أكتوبر 2023، وزمن الماضي المرتبط بالنكبة الفلسطينية عام 1948، من خلال تاريخ عائلة المخرج وشهادات الناجين والذاكرة العائلية.
لا تبدو العودة إلى الماضي مجرد إضافة تاريخية لتفسير الحاضر، بل تؤدي وظيفة بنائية وفكرية، فالفيلم يضع تجربة الجيل الذي عاش التهجير الأول في علاقة مع تجربة جيل يعيش آثار الفقد والاقتلاع في زمن آخر، ومن خلال هذا الربط، لا تصبح الذاكرة مجرد استعادة لحدث انتهى، وإنما عنصراً حيّاً يتدخل في تشكيل الحاضر.
وهنا يمكن قراءة المونتاج باعتباره أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد وسيلة للانتقال بين المشاهد، فالتجاور بين الحاضر والماضي يتيح للمشاهد أن يرى كيف تتقاطع الذاكرة العائلية مع التاريخ العام، وكيف تتحوّل الحكاية التي يرويها الأب أو الشاهد إلى جزء من وعي الابن وموقفه من العالم.
قدم عمر شرقاوي في «فلسطيني غير مرغوب فيه» تجربة وثائقية تنطلق من الذات لتصل إلى سؤال جماعي، فهو لا يفصل بين تاريخ العائلة وتاريخ فلسطين، ولا بين هوية الفرد وموقف المجتمع، ولا بين الذاكرة الشخصية والمسؤولية العامة
إن الماضي في هذا البناء لا يأتي خلف الحاضر، بل يسير إلى جواره، ويمنحه ثقله العاطفي والتاريخي، وهذه إحدى الإمكانات المهمة في السينما الوثائقية: أن تجعل الأزمنة المختلفة تتحاور داخل الفيلم، بدلاً من تقديم التاريخ في خط زمني مغلق.
المخرج داخل الصورة: ذات لا تدّعي الحياد
يختار شرقاوي أن يكون هو نفسه أحد محاور الفيلم، وهذا الاختيار يضع العمل ضمن تقاليد الوثائقي الذاتي أو السيرة الوثائقية، لكن حضور المخرج هنا ليس مجرد ظهور أمام الكاميرا، بل هو جزء من آلية بناء الفيلم، فالمخرج هو الشخصية، وهو صاحب السؤال، وهو الذي يشارك في الفعل الذي يصوره، كما أنه أحد الذين يتأثرون بنتائجه.
هذا الأسلوب يخلق علاقة مختلفة بين الكاميرا والواقع، فالكاميرا لا تقف دائماً على مسافة آمنة من الحدث، بل تنتمي إلى تجربة صاحبها، ويصبح التصوير امتداداً لمحاولة فهم ما يجري، وربما محاولة لاستعادة التوازن أمام واقع يصفه الفيلم بأنه يضع المخرج أمام مشاعر الحزن والعجز والغضب.
ومن الناحية النقدية، تمنح هذه المقاربة الفيلم صدقاً ذاتياً، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً مهماً: كيف يستطيع المخرج أن يحافظ على المسافة النقدية من تجربته، وهو في الوقت ذاته موضوع الفيلم وصانعه؟ إن قوة الوثائقي الذاتي لا تكمن في ادعاء الحياد، بل في الاعتراف بالموقع الذي ينطلق منه صاحبه، وفي تحويل هذا الموقع إلى مادة قابلة للتأمل والمساءلة.
الفضاء الدنماركي بوصفه مسرحاً للصراع
لا يحصر الفيلم موضوعه في الجغرافيا الفلسطينية، بل ينقل جزءاً أساسياً من حكايته إلى الدنمارك، وهنا يكتسب المكان وظيفة تتجاوز كونه موقعاً للأحداث، فهو يمثل البيئة التي يعيش فيها المخرج أحد وجوه هويته، وفيها يواجه أسئلة الانتماء والمسؤولية والموقف السياسي.
من خلال مشاركة شرقاوي في الحركة الفلسطينية في الدنمارك، ومواجهته السياسيين ووسائل الإعلام، يتوسع المجال السردي من التجربة الفردية إلى مساءلة الخطاب العام، فالفيلم لا يتناول فقط ما يحدث بعيداً عن مكان التصوير، بل يتأمل أيضاً الطريقة التي يتم بها الحديث عن الحدث داخل المجتمع الأوروبي.
وهذا الاختيار يمنح العمل بعداً نقدياً مهماً، إذ تصبح المسافة الجغرافية بين الدنمارك وفلسطين جزءاً من موضوع الفيلم نفسه، فالمخرج يعيش في بلد يمثل أحد موطنيه، لكنه يجد نفسه أمام تناقضات تتعلق بالسياسة والإعلام والهوية، ومن هنا تتحوّل الدنمارك إلى فضاء درامي وفكري يختبر فيه المخرج معنى الانتماء المزدوج.
العنوان ودلالته: من الرفض إلى سؤال الانتماء
يحمل عنوان الفيلم «فلسطيني غير مرغوب فيه» دلالة تتجاوز التسمية المباشرة، فكلمة «غير مرغوب فيه» تفتح سؤالاً حول الإحساس بالرفض، وحول موقع الفلسطيني في المجتمعات التي يعيش فيها، وحول العلاقة بين الهوية الشخصية والصورة التي يصنعها الخطاب العام عن الفلسطينيين.
العنوان لا يشير بالضرورة إلى رفض فردي محدد، بل يمكن قراءته بوصفه تعبيراً عن حالة أوسع من الشعور بالتهميش أو عدم الاعتراف أو الاضطرار المستمر إلى الدفاع عن حق الإنسان في أن يُسمع ويُرى ويُعرّف نفسه بنفسه.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي الذي يطرحه الفيلم: أين ينتمي الإنسان عندما يتعرّض وطنه للتدمير؟ سؤالاً وجودياً يتجاوز الحدود السياسية. إنه سؤال عن البيت بوصفه مكاناً مادياً، وعن الوطن بوصفه ذاكرة وهوية وعلاقة لا تنقطع بالضرورة بسبب المسافة.
إن إحدى أهم نقاط النقاش النقدي التي يفتحها الفيلم تكمن في التوازن بين الشهادة والتعبير، وبين الانفعال والتأمل، وبين الرغبة في إيصال رسالة سياسية والحاجة إلى بناء تجربة سينمائية مستقلة. إن حضور الغضب والحزن والعجز في العمل يمنحه طاقة وجدانية، لكنه يضع المخرج أمام مسؤولية أكبر تحويل هذه المشاعر إلى لغة سينمائية، بحيث لا يصبح الفيلم مجرد تسجيل لموقف، بل تجربة تجعل المتلقي يفكر في مصدر هذا الموقف وتعقيداته وآثاره الإنسانية.
السينما بوصفها محاولة لاستعادة الصوت
يقدم عمر شرقاوي في «فلسطيني غير مرغوب فيه» تجربة وثائقية تنطلق من الذات لتصل إلى سؤال جماعي، فهو لا يفصل بين تاريخ العائلة وتاريخ فلسطين، ولا بين هوية الفرد وموقف المجتمع، ولا بين الذاكرة الشخصية والمسؤولية العامة، وتكمن خصوصية المشروع في هذا التركيب بين ثلاثة مسارات: سيرة المخرج، وذاكرة النكبة، والحاضر السياسي والاجتماعي في الدنمارك. ومن خلال اجتماع هذه المسارات، يحاول الفيلم أن يصوغ شهادة عن زمنه، وأن يطرح سؤال الانتماء عندما يصبح الوطن مهدداً بالغياب.
إنه عمل يذكّرنا بأن الوثائقي ليس بالضرورة كاميرا تراقب العالم من الخارج، فقد يكون أحياناً كاميرا تحاول فهم صاحبها، وتفكيك ذاكرته، ومواجهة تناقضاته، ثم تحويل كل ذلك إلى حكاية مفتوحة على الآخرين.
وفي النهاية، لا تبدو قيمة الفيلم في أنه يقدم إجابة نهائية عن سؤال الهوية، بل في أنه يجعل هذا السؤال مرئياً ومسموعاً، ويضعه أمام المشاهد بوصفه تجربة إنسانية وسياسية لا يمكن اختزالها في جواز سفر أو مكان إقامة. هنا تصبح السينما مساحة لاستعادة الصوت، وحفظ الذاكرة، ومساءلة العالم، ومحاولة العثور على معنى للبيت حين يصبح الوطن بعيداً أو مهدداً بالاختفاء.
