أفعلها أحياناً! من باب الانتصار على الواقع بالخيال. أتخيل أنني أملك قوة سحرية هائلة لا حدود لها. أستطيع أن أعرف القتلة والمجرمين والطغاة وتجار الحروب واللصوص وأن أجعلهم يختفون في لحظة واحدة.
تمنحني الفكرة في البداية راحة طفولية كأنني حصلت أخيراً على الأداة التي افتقدناها طوال حياتنا.. قوة لا يستطيع الظالم مقاومتها. ثم يحدث شيء غريب. أصل في خيالي إلى صباح اليوم التالي. لقد اختفى الأشرار. ثم ماذا..؟ هنا على نحو لم أتوقعه تبدأ قوتي السحرية بالعجز. من سيعيد الناس إلى بيوتهم ومن يعيد الأرض إلى أصحابها وماذا نفعل بالممتلكات التي انتقلت من يد إلى أخرى خلال عقود من الحرب والنزوح والاستيلاء. وكيف نعرف أين تنتهي العدالة ويبدأ الانتقام. وماذا نفعل بمن قتل وبمن أعطى الأمر وبمن حرّض وبمن صفّق وبمن استفاد وبمن عرف وسكت، وماذا نفعل برجل لم يقتل أحدا،ً لكنه أمضى أربعين عاماً مقتنعا بأن جاره خطر وجودي عليه؟.
ها أنذا..! أملك القوة كلها ولا أعرف ماذا أفعل، وكلما حاولت حل مشكلة ظهرت تحتها أخرى. أزيل زعيم الطائفة فتبقى العصبية التي صنعته، أزيل الميليشيا، فتبقى الذاكرة التي أنتجتها، أزيل السلاح فتبقى الكراهية، أزيل الكراهية، فأجد الفقر والظلم والخوف، أحل مشكلة الفقر، فتظهر مسألة القانون، أصنع قانوناً، فأكتشف أن القانون يحتاج إلى قاض لا يخاف السلطة ويحتاج إلى مؤسسة تحميه، وأن المؤسسة تحتاج إلى مجتمع يقبل حكمها حتى عندما يخسر أمامها. ثم أصل إلى آخر المشكلة، فأجدني قد عدت إلى أولها. وهنا أشعر بالعجز الحقيقي، ليس لأنني عاجزٌ في الواقع فقط، فهذا مفهوم، بل لأنني حتى في الخيال الذي منحت نفسي فيه قوة مطلقة لا أجد الضربة السحرية التي تصلح ما انكسر. ربما لأن مشكلات المجتمعات لا تسكن الأشخاص وحدهم. والغريب أن صورة هذا المأزق جاءتني من مكان لم أتوقعه، من تجارب الذكاء الاصطناعي .. في حادثة hungging face تبيّن أن اتصال أعداد كبيرة من وكلاء الذكاء الاصطناعي بعضها ببعض أظهر من تفاعلها سلوكاً لم يكن موجوداً بشكل كامل في أي واحد منها. كل عنصر يعرف جزءاً صغيراً، لكن الشبكة كلها تنتج شيئاً أكبر من أجزائها. يسمي الباحثون ذلك خصائص ناشئة. والمجتمع البشري ربما هو أقدم مثال على تلك الخصائص الناشئة، لا أحد يحمل الطائفية كلها في رأسه، ولا أحد يحمل الاستبداد كله ولا القومية ولا العنصرية ولا الحرب ولا السوق، لكن ملايين التفاعلات الصغيرة بين الخوف والمصلحة والذاكرة واللغة والمؤسسة تنتج في النهاية شيئاً يبدو كأنه عقل آخر يعيش فوق الأفراد. يمكن أن يختفي الطاغية ويبقى شيء منه موزعاً بيننا. في سورية مثلاً كان إسقاط نظام الأسد بالنسبة إلى ملايين السوريين ضرورة بعد أن أصبح العيش تحته غير محتمل. لكنه سقط ولم تسقط معه الأشياء التي راكمها خلال نصف قرن من الاستبداد والحرب. ظهرت الطائفة والعشيرة والمنطقة والقومية والخوف المتبادل والدولة التي لم تتعلّم بعد كيف تنظر إلى الناس بوصفهم مواطنين قبل أن تراهم أعضاء في جماعات. وهكذا يمكنني في خيالي أن أزيل كل المسؤولين عن مذبحة أو صراع خلال دقيقة، ثم أكتشف أنني لم أُزِل الخوف الذي تركته المجازر ولا القطيعة النفسية مع الدولة ولا حاجة بعض الناس إلى زعيم يحمي جماعتهم حين لا يثقون بالمؤسسات. أستطيع أن أزيل الرجل الذي صار عنواناً لذلك الخوف لكن هل تزول الأسباب التي أعطته وزنه؟! هنا يبدأ الخيال بإهانتي.
والأمر نفسه في فلسطين يمكنني أن أزيل كل القيادات الفاسدة وكل من حوّل القضية إلى سلطة أو امتياز أو انقسام، ثم أجد نفسي أمام شعب موزع بين الاحتلال والشتات والحصار والمخيمات، وحركة وطنية تحتاج إلى إعادة بناء، وتمثيل يحتاج إلى شرعية وشرعية تحتاج إلى مؤسسات لم تعد موجودة أو لم تعد قادرة على أداء وظيفتها. ثم أصل إلى الكابوس، إسرائيل. في خيالي أستطيع أن أجعل كل مجرم حرب وكل مستوطن وكل من دعا إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني أن يختفي خلال ثانية. أشعر بالراحة للحظة..! ثم أنظر إلى فلسطين في صباح اليوم التالي، الاحتلال لم يصبح تاريخاً لمجرد أن رجاله اختفوا. هناك أرض سُلبت وإبادات حصلت وبيوت هدمت وقرى أزيلت، ولاجئون ومستعمرات وحدود وخرائط وذاكرة صنعتها عقود من القوة الغاشمة.
عندها أفهم أن ما كنت أبحث عنه لم يكن قوة تقتل الأشرار بل قوة تمنع المجتمع من الحاجة إليهم أصلاً. قوة تجعل القانون أقوى من جماعتنا حين نكون نحن المخطئين، وتجعل الدولة ترى المواطن قبل طائفته، وتجعل الفرد قادراً على الاعتراف بجريمة من يشبهه من دون أن يشعر أن الاعتراف خيانة
وأعود من فلسطين إلى السؤال الذي بدأ منه كل شيء، ماذا أفعل إذا كان الشر لا يعيش في الأشخاص فقط، بل يتوزع بين المؤسسات واللغة والذاكرة والخوف والعادات. ماذا أفعل إذا كان الرجل الذي اختفى قد ترك وراءه ألف جملة تبرر ما فعله وألف شخص مستعداً لإعادة إنتاجه من دون أن يعرف حتى أنه يعيد إنتاجه. ربما لهذا لا يكفي أن نسقط الطغاة ولا أن نحاكم القتلة ولا أن نفكك الميليشيات. كل ذلك ضروري لكنه لا يصل إلى نهاية الطريق، لأن المجتمع يستطيع أن يحمل بقاياهم بعد رحيلهم كما يحمل الجسد أثراً لجرحٍ التأم منذ سنوات. وهنا تخيفني فكرة الخصائص الناشئة مرة أخرى ليس لأنني أظن أن المجتمع آلة ضخمة، بل لأنني أرى كم يستطيع ملايين الأفراد العاديين أن ينتجوا معاً شيئا لا يريده أي واحد منهم. قد لا يريد أحد حرباً أهلية لكن الخوف عند هذا، والكلمة عند ذاك، والإشاعة عند ثالث، والسلاح عند رابع، والذاكرة القديمة عند خامس، يمكن أن تصنع في النهاية حرباً كاملة. وربما لهذا يكون إصلاح المجتمعات أصعب من إصلاح الأشخاص لأنك لا تستطيع أن تشير بإصبعك إلى مكان الخلل وتقول ها هو.
ها أنذا مرة أخرى أمام قوتي السحرية أزيل شخصاً، فتبقى المؤسسة. أزيل المؤسسة، فتبقى العادة. أغير القانون، فتبقى طريقة التفكير. أحاكم المجرم، فيتحوّل عند جماعته إلى شهيد، أمنع خطاب الكراهية، فينتقل إلى همس البيوت. أحل مشكلة الفقر، فتظهر مشكلة العدالة، أحل مشكلة العدالة، فتظهر مشكلة الثقة، وكأن كل باب أفتحه يكشف ممراً آخر أطول منه.
عندها أفهم أن ما كنت أبحث عنه لم يكن قوة تقتل الأشرار بل قوة تمنع المجتمع من الحاجة إليهم أصلاً. قوة تجعل القانون أقوى من جماعتنا حين نكون نحن المخطئين، وتجعل الدولة ترى المواطن قبل طائفته، وتجعل الفرد قادراً على الاعتراف بجريمة من يشبهه من دون أن يشعر أن الاعتراف خيانة. وتجعل الذاكرة مكاناً لفهم الماضي لا لاستنساخه.
لكن هذه القوة لا تأتي في ليلة واحدة ولا تشبه السحر في شيء، هي بطيئة ومملّة وغير بطولية، تحتاج إلى مدارس وقضاة ومؤسسات وثقة ووقت طويل، ولهذا ربما يبدو الشر أسرع منها دائماً، فقتل إنسان يحتاج لحظة، أما بناء قاض لا يخاف السلطة فقد يحتاج جيلاً. وهدم بيت يحتاج دقائق، أما إعادة شعور صاحبه بالأمان فقد تحتاج عمراً.
لهذا حين أستخدم قوتي السحرية أخيراً، وأجعل جميع الأشرار يختفون، لا أستيقظ في الجنّة. أقف وحدي وسط البلاد التي كنت أظن أنني أنقذتها، وأنظر حولي، فأرى الخراب ما زال هنا، وأن العمل الحقيقي لم يبدأ بعد.
وعندها فقط تنتهي القوة السحرية.
وأفيق…!
