بعد غياب دام عشر سنوات، يعود مهرجان دبي السينمائي الدولي إلى المشهد من جديد. في الثامن من ديسمبر 2027، تستعيد دبي موعداً سينمائياً كان، لسنوات طويلة، واحداً من أبرز مواعيد الثقافة والفن في المنطقة، لكن العودة هذه المرّة لا تأتي بوصفها محاولة لاستعادة الماضي، بل بوصفها إعلاناً عن مهرجان يريد أن يولد من جديد داخل منطقة تغيّرت، وصناعة سينمائية تبدّلت ملامحها، وخريطة خليجية لم تعد تشبه تلك التي كانت قائمة عندما أغلقت دورة المهرجان الأخيرة أبوابها عام 2017، وهنا تحديداً تكمن أهمية الخبر، فعودة مهرجان دبي ليست مجرد استئناف لفعالية ثقافية توقفت، ولا مجرد عودة إلى السجادة الحمراء والنجوم وصالات العرض. إنها، في جوهرها، محاولة لقراءة عشر سنوات من التحوّلات التي حدثت في الخليج وفي صناعة السينما العربية والدولية، ثم طرح سؤال أكثر أهمية: ما الذي ينبغي أن يكون عليه مهرجان سينمائي في دبي عام 2027؟
لاعودة للصيغة القديمة!!
المادة الرسمية الخاصة بالعودة توضح أن المهرجان سيقام تحت مظلة هيئة دبي للأفلام والألعاب التابعة لمجلس دبي للإعلام، وأن القائمين عليه لا يريدون استعادة الصيغة القديمة. العبارة الأكثر وضوحاً في الإعلان هي: “نعيد المهرجان، لكننا لا نعيد الماضي”، فالمنطقة، كما تقول منى غانم المري، وصناعة الأفلام نفسها، أصبحتا مختلفتين. وهذا التفصيل ليس جملة دعائية عابرة، بل اعتراف ضمني بأن الزمن الذي غاب فيه المهرجان لم يكن فراغاً؛ فقد تغيّرت خلاله موازين القوة الثقافية والسينمائية في الخليج بصورة واضحة.
كان مهرجان دبي السينمائي الدولي، منذ انطلاقه عام 2004، جزءاً من مرحلة مهمة في تاريخ “السينما الخليجية”. جمع على مدى دوراته أسماء دولية كبيرة، واحتفى بأفلام تنتمي إلى مساحات جغرافية وثقافية متعددة، وربط بين العرض السينمائي والحضور العالمي وصناعة العلاقات المهنية. وكان وجوده في دبي يحمل دلالة خاصة. مدينة تتوسع بسرعة، وتبني نفسها كمنصة عالمية، وتريد للفن والثقافة أن يكونا جزءاً من صورتها الجديدة.
استعادة السجادة الحمراء وحدها، فلن تكون كافية لصناعة فصل جديد. السينما في النهاية ليست سجادة حمراء. إنها ذاكرة وصورة وصناعة وسؤال عن الإنسان والعالم
لكن المهرجان توقف بعد دورته الأخيرة عام 2017، وفي العام التالي بدا غيابه وكأنه نهاية فصل كامل من تاريخ المهرجانات السينمائية في الخليج. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف السينما الخليجية عن الحركة، بل حدث العكس تماماً. لقد تغيّرت المنطقة من الداخل، وتبدّلت معها أولوياتها الثقافية، وظهرت مؤسسات جديدة، وتقدّمت مدن أخرى إلى واجهة المشهد.
تحوّلات جذرية
ولعلَّ أبرز التحوّلات جاء من السعودية، فرفع الحظر عن دور العرض السينمائية في نهاية عام 2017، بعد نحو 35 عاماً، فتح الباب أمام توسع غير مسبوق في قطاع السينما والترفيه هناك. ثم تأسس صندوق البحر الأحمر السينمائي الدولي عام 2021، وظهر مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدّة بوصفه منصة تستقطب نجوماً عالميين، وتستضيف فعاليات متعلّقة بصناعة الأفلام، وتسعى إلى بناء حضور دولي واسع.
وهكذا أصبح الخليج، خلال سنوات غياب مهرجان دبي، مساحة أكثر كثافة للمهرجانات السينمائية. لم تعد هناك مدينة واحدة تحتكر الضوء، بل ظهرت عدّة مراكز تتنافس على استضافة الأفلام وصناعها، والمنتجين، والنقّاد، والنجوم. هذه المنافسة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها منافسة على أسماء المشاهير أو حجم التغطية الإعلامية، بل باعتبارها مؤشراً على تحوّل الثقافة السينمائية نفسها إلى أحد مكونات المشهد العام في الخليج. وفي هذا السياق تأتي عودة دبي في لحظة مختلفة تماماً عن لحظة انطلاق المهرجان الأولى. دبي لم تعد تحتاج إلى إثبات قدرتها على جذب العالم، فقد قطعت شوطاً طويلاً في ذلك. والسؤال الآن ليس كيف تصنع مهرجاناً يضم أسماء عالمية، وإنما ما الشخصية التي يمكن أن يمنحها مهرجان دبي لنفسه وسط هذا المشهد المتعدد؟
برميل بارود
هل يعود باعتباره مهرجاناً دولياً تقليدياً يكرر الصيغة التي نجحت في العقدين الأولين من القرن الجديد متجاهلاً التغيّرات الجذرية العميقة التي ضربت البلاد، ليس أقلها الحرب الأميركية-الايرانية؟ أم يتحوّل إلى منصة مختلفة، أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا، والمنصات الرقمية، والصناعة الجديدة للصورة، والذكاء الاصطناعي، والألعاب، واقتصاد المحتوى؟
ولعلَّ ارتباط المهرجان الجديد بهيئة تجمع “الأفلام والألعاب” معاً يفتح الباب أمام هذا الاحتمال، حتى لو لم يحدد بالتفصيل شكل البرنامج المقبل، فصناعة الصورة لم تعد مقسومة بوضوح كما كانت في السابق بين السينما والتلفزيون والفيديو. لقد دخلت الألعاب والمنصات الرقمية والمؤثرات البصرية والواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي في قلب النظام البصري المعاصر.
لكن هناك بعداً آخر لا يقل أهمية: السينما نفسها تغيّرت. قبل عشر سنوات، كانت المهرجانات تعتمد بدرجة أكبر على فكرة أن المهرجان هو بوابة أساسية لاكتشاف الفيلم، وأن العرض الأول أو العرض الدولي يمكن أن يصنع للفيلم مساره. أما اليوم، فقد أصبح الفيلم يتحرّك داخل منظومة أشد تعقيداً من المنصات الرقمية، وخدمات البث، ووسائل التواصل الاجتماعي، والأسواق العالمية، والمحتوى القصير، والجمهور الذي لم يعد ينتظر المهرجان لكي يصل إليه الفيلم، لذلك فإن عودة مهرجان دبي ستواجه سؤال المهرجان المعاصر نفسه: ما الذي يستطيع المهرجان أن يقدمه ولا تستطيع المنصات أن تقدمه؟ ربما تكون الإجابة في خلق اللقاء. اللقاء بين صانع الفيلم والجمهور، وبين المخرج والمنتج، وبين السينما المحلية والعالمية، وبين الفيلم بوصفه عملاً فنياً والفيلم بوصفه جزءاً من صناعة، فالمهرجان الناجح لم يعد مجرد سلسلة من العروض، بل مساحة لصناعة الحوار وبناء الشبكات وفتح الأبواب أمام الأفلام الجديدة. وهذا مهم بصورة خاصة في الخليج، حيث تنمو صناعة السينما بوتيرة متسارعة، وتحتاج إلى مؤسسات ثقافية لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تساعد على صناعة البيئة التي تسمح للأفلام بأن تولد.
تغيّر في الموازين
وفي الإمارات نفسها، تبدو عودة دبي جزءاً من نشاط سينمائي أوسع مثل مهرجان “الكثبان الذهبية” المدعوم من القطاع الخاص، وإلى إقامة دورته الثانية في نوفمبر- تشرين الثاني 2026، ما يعكس، بحسب المادة، تنامي الحراك المهرجاني داخل الإمارات. وهكذا قد لا تكون عودة مهرجان دبي عودة إلى مركز سبق أن شغله، بل عودة إلى ساحة أصبحت أكثر ازدحاماً وتنوعاً في منطقة وعرة.. ومتفجرة. فقد تغيّر ميزان المهرجانات الخليجية، وهذه العبارة هي مفتاح قراءة الخبر كله.
المهرجان الذي يعود بصورة مختلفة يجب أن يعرف لماذا توقف أولاً، ولماذا عاد ثانياً، وما الذي يريده من عودته ثالثاً
عندما كان مهرجان دبي حاضراً في دوراته السابقة، لم تكن الخريطة الحالية موجودة. اليوم هناك مهرجان البحر الأحمر، ومهرجان الدوحة الذي يواصل استعداداته، ومهرجانات إماراتية جديدة، ومهرجان مسقط السينمائي، إضافة إلى نشاط سينمائي متنامٍ في أكثر من بلد خليجي. وحتى مجرد النظر إلى هذه الخريطة يكشف أن السؤال لم يعد: “أين المهرجان الأكبر؟” بل “كيف يمكن لكل مهرجان أن يعرّف نفسه؟”.
اقتصاد ثقافي متحوّل
ومن هذه الزاوية تصبح عبارة “لا نعيد الماضي” أكثر أهمية، فالمهرجان الذي يعود بعد عشر سنوات لا يمكنه ببساطة أن يتصرف كما لو أن الزمن توقف في عام 2017. الجمهور تغيّر، والسينمائيون تغيّروا، والمنصات تغيّرت، والاقتصاد الثقافي تغيّر، وحتى علاقة المدن الخليجية بالسينما تغيّرت، وقد يكون التحدي الحقيقي أمام دبي هو أن تنجح في تحويل هذه السنوات العشر من الغياب إلى معرفة جديدة، فالمهرجان الذي يعود بصورة مختلفة يجب أن يعرف لماذا توقف أولاً، ولماذا عاد ثانياً، وما الذي يريده من عودته ثالثاً. أما استعادة السجادة الحمراء وحدها، فلن تكون كافية لصناعة فصل جديد. السينما في النهاية ليست سجادة حمراء. إنها ذاكرة وصورة وصناعة وسؤال عن الإنسان والعالم، ولهذا فإن أهمية مهرجان دبي، إذا أراد أن يستعيد مكانه، ستكون في قدرته على أن يمنح السينما العربية والخليجية مساحة لرؤية نفسها، لا مجرد مساحة لاستقبال الآخرين. أن يتيح لصانع الفيلم المحلي أن يدخل إلى العالم، وأن يدخل العالم إلى السينما المحلية، من دون أن يتحوّل المهرجان إلى واجهة احتفالية منفصلة عن الحياة الثقافية الفعلية. ولعلّ هذا هو الاختبار الأهم لعودته في 2027: هل سيكون المهرجان مجرد علامة تعود إلى الروزنامة، أم سيصبح مؤسسة ثقافية جديدة تفهم تماماً أن العالم السينمائي الذي غاب عنه لعقد كامل لم ينتظر؟ في السنوات العشر التي غاب فيها مهرجان دبي، لم تتوقف السينما في الخليج، بل اتسعت. ظهرت مدن جديدة، ومهرجانات جديدة، ومؤسسات جديدة، وجمهور جديد، وصناعة جديدة، ولهذا فإن دبي لا تعود اليوم إلى المكان الذي تركته. إنها تعود إلى مكان آخر، وإذا كانت العبارة الرسمية تقول: “نعيد المهرجان، لكننا لا نعيد الماضي”، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الجزء الثاني من الجملة لا الأول، فالماضي يمكن استعادته في الصور والأرشيف والذاكرة، أما المستقبل، فلا يمكن استعارته من أحد، وعلى مهرجان دبي السينمائي الدولي، في نسخته الجديدة، أن يصنعه بنفسه.
