هناك قاعدة غير مكتوبة في أفلام الطائرات المختطفة: عندما يستولي الخاطفون على الطائرة، يمكننا أن نكون واثقين من شيء واحد على الأقل، أن أحد الركاب سيكتشف، في الدقيقة المناسبة تماماً، أنه ليس راكباً عادياً على الإطلاق.
قد يكون خبيراً أمنياً متقاعداً، أو جندياً سابقاً، أو مضيفة طيران لم تلمس أدوات القيادة طوال حياتها، أو موظفاً هادئاً تبدو مهمته في الفيلم في البداية مجرد الجلوس في المقعد رقم 57. ثم يحدث شيء ما، فيقرر السيناريو أن الطائرة ليست بحاجة إلى قمرة قيادة بقدر حاجتها إلى رجل شجاع غادر منزله غاضباً لسببٍ ما، قد يكون اقتناء زوجته لكلبٍ لم يعجبه مثلاً.
والحقيقة أن سينما اختطاف الطائرات نادراً ما تسمح للركاب العاديين بأن ينتصروا وحدهم ثم يهبطوا بالطائرة ببساطة. السيناريو الأكثر شيوعاً هو أن يتدخل “البطل الاستثنائي”، أو أن تنقذ مضيفة الطائرة الموقف، أو أن يأتي طيّار محترف من الخارج، أو أن ينتهي الأمر بهبوط اضطراري يشبه معجزة أكثر مما يشبه إجراءً في كتيب الطيران.
ومع ذلك، هناك مجموعة من الأفلام صنعت من هذه الفكرة مادة لا تنسى، وبعضها فعل ذلك بجدية تامة، وبعضها فعل ذلك وهو يعرف في أعماقه أنه يطلب من المشاهد “التنكر” لقوانين الفيزياء ولو لدقائق قليلة.
مضيفة طيران
من أقدم النماذج التي تستحق التوقف عندها «Airport 1975». صحيح أن الفيلم لا يدور حول اختطاف تقليدي، لكنه يقدّم واحدة من أكثر وصفات السينما الكلاسيكية جرأة: حادث يصيب قمرة القيادة ويعطل أجهزة التحكم، فتجد مضيفة الطيران نانسي بريور نفسها مضطرة إلى محاولة قيادة طائرة بوينغ 747، بينما يأتيها التوجيه من الأرض. وفي النهاية يُستدعى طيار محترف ليصل إلى الطائرة ويهبط بها. هنا لا ينتصر الركاب على خاطفين، لكن الفكرة الأساسية موجودة: شخص لم يكن يفترض به أن يقود الطائرة يصبح، فجأة، آخر خط دفاع بينها وبين الجبل.
بعد ذلك بسنوات، جاءت أفلام أكثر صراحة في تحويل الطائرة إلى نسخة معلّقة في السماء من أفلام «Die Hard». وفي «Passenger 57» عام 1992، لا يكون البطل طيّارًا أصلًا. إنه جون كتر، رجل أمني متخصص في مكافحة الإرهاب، يصعد إلى الطائرة بصفته راكباً، ثم يجد نفسه في مواجهة جماعة الخاطف تشارلز رين. يقاتل كتر الخاطفين واحداً تلو الآخر، ويستمر الفيلم في تصعيد العبث حتى يصل البطل إلى المواجهة الأخيرة، حيث يطيح برين من الطائرة. بعدها تهبط الطائرة بسلام في المطار. أي أن «الراكب 57» لا يقود الطائرة فعلياً في النهاية؛ إنه يفعل ما تريده منه هوليوود: يتولى كل شيء تقريباً، ويترك مهمة الضغط على المكابح للطيارين.
الطائرة ليست طائرة
لكن إذا أردنا فيلماً يذهب أبعد في فكرة أن الطائرة يمكن أن تتحوّل إلى مسرح بطولة فردية، فإن «Air Force One» يقدم النموذج المثالي. الطائرة الرئاسية تُختطف، والركاب يصبحون رهائن، ثم يتضح أن الرئيس الأمريكي نفسه، وهو محارب قديم، لم يخرج من الطائرة كما ظنَّ الخاطفون. يختبئ في المقصورة ثم يبدأ عملية مطاردة وقتال داخل طائرته الخاصة. في النهاية يتخلّص من الخاطف الرئيسي، ويستعيد السيطرة على الموقف. هنا يبدو الأمر وكأن الطائرة ليست طائرة بقدر ما هي البيت الرئاسي الذي يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن ينظفه بنفسه غرفةً غرفة.
ومن الواضح أن «Air Force One» لا يهتم كثيراً بالسؤال الذي قد يطرحه طيار حقيقي: كيف يمكن لرجل واحد أن يخوض كل هذه المعارك، ويشتبك بالأيدي مع الخاطفين، ثم تواصل طائرة ضخمة رحلتها وكأن شيئًا لم يحدث؟ الفيلم لا يريد هذا النوع من الأسئلة. هو يريد سؤالاً أبسط بكثير: ماذا لو كان الرئيس هو الرجل الموجود على متن الطائرة عندما تتعقد الأمور؟
«Air Force One» يقدم النموذج المثالي. الطائرة الرئاسية تُختطف، والركاب يصبحون رهائن، ثم يتضح أن الرئيس الأمريكي نفسه، وهو محارب قديم، لم يخرج من الطائرة كما ظنَّ الخاطفون. يختبئ في المقصورة ثم يبدأ عملية مطاردة وقتال داخل طائرته الخاصة
ثم لدينا «Turbulence» عام 1997، وهو ربما أقرب فيلم إلى الحلم الذي نبحث عنه تحديداً. هنا يُقتل أو يُعطّل أفراد الطاقم، وتجد مضيفة الطيران تيري هالوران نفسها مضطرة إلى التعامل مع طائرة بوينغ 747 في مواجهة قاتل هائج. تتلقى التعليمات من الأرض، وتخوض العاصفة وتصارع القاتل، وفي النهاية تتمكن من قتل خصمها والعودة إلى مقعد القيادة، ثم تهبط بالطائرة باستخدام المساعدة والتوجيه من الأرض. وقد لخص روجر إيبرت المفارقة الساخرة للفيلم بصورة لاذعة: الجميع يشك في قدرة المضيفة على الهبوط لأنها «مجرد مضيفة»، بينما هي التي تنتهي بإنقاذ الطائرة.
وهنا تصل هوليوود إلى معادلتها المفضلة: لا تقلق بشأن سنوات التدريب، ولا بشأن مئات الأزرار، ولا بشأن أن الطائرة ليست سيارة. يكفي أن تكون المرأة تحت ضغط كافٍ، وأن يكون الخاطف شريراً بما يكفي.
المشهد الذي تنتظره القاعة
أما «United 93»، فهو الحالة التي تنقلب فيها اللعبة تماماً. هذا الفيلم لا يقدم لنا انتصاراً مريحاً ولا هبوطاً بطولياً. الركاب يعلمون أن اختطاف الطائرة جزء من هجوم انتحاري، فيقرر بعضهم مقاومة الخاطفين. يقتحمون قمرة القيادة ويحاولون استعادة السيطرة، لكنهم لا ينجحون في الوصول إلى أدوات القيادة في الوقت المناسب، فتتحطم الطائرة في بنسلفانيا. ومع ذلك، تشير الرواية التاريخية التي يستند إليها الفيلم إلى أن الركاب والطاقم استطاعوا إحباط وصول الطائرة إلى الهدف الذي كان الخاطفون يسعون إليه. لذلك يصبح الفيلم مهماً جداً في هذا النوع: النصر هنا ليس «هبطنا سالمين»، بل «منعنا الخاطفين من تحقيق ما أرادوا»، وهذا الفرق جوهري. السينما الهوليوودية تحب النهاية النظيفة، لكن «United 93» تذكّرنا بأن الواقع لا يمنح دائماً المشهد الأخير الذي تنتظره القاعة.
ثم يأتي «Con Air»، وهو فيلم من النوع الذي لا يستطيع حتى أن يتظاهر بالواقعية المفرطة. طائرة سجن تنقل عدداً من أخطر المجرمين، فيستولي السجناء عليها، ويتحوّل «جايـلبيرد» إلى سيرك طائر من العنف والمطاردات والانفجارات. كاميرون بو، الذي يؤديه نيكولاس كيج، يحاول تعطيل مخطط القائد، وفي مرحلة معينة يستولي على قمرة القيادة. وفي النهاية، لا يحصل أحد على هبوط أنيق، بل تقوم الطائرة بهبوط اضطراري عنيف في لاس فيغاس، متسببة في فوضى هائلة قبل أن تنتهي المطاردة على الأرض. إنه فيلم يجعل من فكرة «الراكب الذي ينقذ الطائرة» نسخة مشوبة بالجنون: كل شيء يتحطم، المهم أن البطل يخرج حيَّاً وفي النهاية يعود إلى عائلته.
وفي السينما الألمانية الأكثر هدوءاً، يقدم «7500» اقتراحاً مختلفاً تماماً. الفيلم يضعنا داخل قمرة القيادة أثناء محاولة خطف طائرة متجهة من برلين إلى باريس، ويجعل التوتر قائماً على المفاوضة والارتباك والمسافة القصيرة بين القرار والكارثة. وفي مرحلة لاحقة يهاجم الركاب بعض الخاطفين، لكن مسألة قيادة الطائرة تظل مرتبطة بالطيار وتطورات السيطرة على القمرة. وفي النهاية تهبط الطائرة في هانوفر، فيما يبقى الفيلم أقل اهتماماً بصورة «البطل الخارق» وأكثر اهتماماً بالاختناق النفسي الذي تخلقه قمرة القيادة المغلقة.
أما السينما الهندية، فقد استثمرت الفكرة بصورة أكثر مباشرة في «Yodha» عام 2024، حيث يجد جندي خارج الخدمة نفسه على متن طائرة مختطفة، ويتحوّل من مسافر إلى مقاتل يحاول إفشال عملية الاختطاف وإنقاذ الركاب. لا يهتم الفيلم كثيراً بالسؤال الواقعي عن كيفية تحوّل الطائرة إلى ساحة قتال، بل يذهب مباشرة إلى منطق أفلام الحركة: إذا كان بطل الفيلم موجوداً، فمن الطبيعي أن يحاول القضاء على الخاطفين بنفسه.
الإنسان العادي.. الاستثنائي!
وهنا تتضح القاعدة التي تحكم هذا النوع كله: الطائرة المختطفة في السينما ليست فقط وسيلة نقل، بل غرفة مغلقة مثالية لصناعة البطولة. لا يوجد مكان للهرب، ولا يوجد ممر جانبي، ولا يستطيع البطل ببساطة أن يقول «سأتصل بالشرطة عندما أصل». لذلك تضطر السينما إلى ضغط العالم كله داخل جسم الطائرة: البطل، الشرير، الرهائن، القرار، الوقت، ثم الهبوط، والغريب أن الواقع، بين حين وآخر، يقترب فعلاً من هذا الخيال.
القتال مع الخاطف قد ينتهي في خمس دقائق… أما الهبوط بالطائرة، فهذه قصة أخرى تماماً. وهذا قد ينسحب على طائرة فلاي دبي، ففيما الفيلم ينتهي بعد ساعتين على أبعد تقدير، يكاد فيلم “السبّاك” يبدأ للتوّْ!
في حادثة فلاي دبي الأخيرة، بحسب الرواية الهوليوودية ذاتها، لم يكن أحد من الركاب في البداية يتوقع أن يجد نفسه في مشهد من فيلم. لكن عندما تطورت الأزمة داخل القمرة، تدخل ركاب وأفراد من الطاقم، وتمكنوا من إخضاع المهاجم، ثم تولى طيارون موجودون على متن الرحلة استعادة القيادة والهبوط بالطائرة في السعودية. أحد الركاب، وهو سبّاك في الحياة الواقعية قال إنه عرف كيف يتصرف جزئياً بفضل مشاهدته برنامجاً عن حوادث الطيران. إنها واحدة من اللحظات المجنونة التي يبدو فيها الواقع كأنه يشاهد السينما ثم يقرر أن يجربها، ولكن مع فارق مهم جداً: في الحقيقة لا توجد موسيقى تصويرية تقول لك متى سيحين وقت البطولة، ولا يوجد مخرج يمكنه قطع المشهد إذا أخطأ أحدهم. وهنا يصبح السؤال الساخر أكثر إلحاحاً: لماذا نحب هذه الأفلام إلى هذا الحد؟
ربما لأن الطائرة مكان يختصر مخاوفنا. نحن نجلس داخل صندوق معدني على ارتفاع آلاف الأمتار، ونوافق طوعاً على أن يضع أشخاص لا نعرفهم حياتنا في أيديهم. ثم تأتي السينما لتمنحنا الوهم المريح بأن هناك دائماً شخصاً من بين الركاب يستطيع، عند انهيار كل شيء، أن يقول: «اتركوا الأمر لي».
في الحياة الحقيقية، نأمل أن يبقى الطيار في مقعده، وأن تعمل أنظمة الطائرة كما ينبغي، وأن تكون الأبواب مغلقة، وأن تُكتشف المشكلة قبل أن تصبح كارثة. أما في السينما، فنحن نريد العكس قليلًا. نريد الطائرة أن تُختطف. نريد الخاطفين أن يخطئوا. نريد أحد الركاب أن يقف فجأة. ثم نريد المعجزة الأخيرة: أن يضرب البطل الشرير، يركض إلى القمرة، يجد المدرج في اللحظة المناسبة، وتهبط الطائرة وسط التصفيق. والحقيقة أن أفضل هذه الأفلام لا تنجح لأنها واقعية. إنها تنجح لأنها تعرف أننا، للحظة واحدة، نريد أن نصدق أن الإنسان العادي يمكنه أن يصبح استثنائياً عندما لا يبقى أمامه خيار آخر. لكن هناك تفصيلاً صغيراً تتجاهله هوليوود دائماً: القتال مع الخاطف قد ينتهي في خمس دقائق… أما الهبوط بالطائرة، فهذه قصة أخرى تماماً. وهذا قد ينسحب على طائرة فلاي دبي، ففيما الفيلم ينتهي بعد ساعتين على أبعد تقدير، يكاد فيلم “السبّاك” يبدأ للتوّْ!
