لم تقتصر فعاليات مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية على عروض الأفلام ومسابقاتها، بل امتدت إلى مساحة أخرى لا تقل أهمية، تمثلت في الندوات الحوارية التي استضافت سينمائيين ومبدعين من خلفيات وتجارب متنوعة، وفتحت نقاشاً حول صناعة الفيلم، وتحوّلات الخطاب السينمائي المتصل بفلسطين، والعلاقة بين السينما والفنون الأخرى.
ثلاث ندوات رسمت ملامح برنامج فكري يسعى إلى النظر في السينما من زوايا متعددة، من لحظة تشكّل الفكرة الأولى، مروراً بعملية الإنتاج وتحويل النص إلى صورة، وصولاً إلى الأسئلة السياسية والثقافية التي تطرحها الأفلام، والعناصر الفنية التي تسهم في بناء عالمها البصري، وقد عكست تركيبة المشاركين تنوعاً في الخبرات، جمع مخرجين ومنتجين ومدير تصوير ومهندس ديكور، إلى جانب حوارات أدارتها شخصيات سينمائية وأكاديمية.
من الفكرة إلى الشاشة: صناعة الفيلم ودور الإنتاج
حملت الندوة الأولى التي أدارتها نور ملحم عنوان «من الفكرة إلى الشاشة: صناعة الفيلم ودور الإنتاج»، ووضعت عملية صناعة الفيلم في مركز النقاش، من خلال مشاركة الفنان محمد ثابت. كذلك شارك المخرج المصري خالد يوسف، الذي حاوره المخرج ماهر الحشاش في ندوة موازية، والمخرج هيثم حقي، الذي أدار الحوار معه المخرج محمد السهلي.
اختيار هذا الموضوع يذهب مباشرة إلى أحد الأسئلة الأساسية في العمل السينمائي: كيف تتحوّل الفكرة إلى مشروع قابل للتحقق؟ فالفيلم لا يبدأ بالكاميرا، ولا ينتهي عند كتابة السيناريو، إنه سلسلة مترابطة من القرارات الإبداعية والإنتاجية، تتداخل فيها الرؤية الفنية مع الإمكانات المالية والتنظيمية، وتحتاج إلى تعاون أطراف متعددة حتى تصل الحكاية إلى الشاشة.
وتكتسب مسألة الإنتاج أهمية خاصة في السينما العربية، حيث لا تنفصل طموحات صنّاع الأفلام عن تحديات التمويل والتوزيع والوصول إلى الجمهور، فالمنتج ليس مجرد جهة توفر الميزانية، بل شريك في بناء المشروع وتحديد مساره العملي، وفي إيجاد التوازن بين متطلبات الرؤية الإبداعية والموارد المتاحة. ومن هنا، فإن مناقشة دور الإنتاج تفتح الباب أمام التفكير في البيئة التي تسمح للأفكار السينمائية بأن تتحوّل إلى أعمال مكتملة، وفي العقبات التي قد تعترض هذه الرحلة.
كما أتاح حضور تجربتين إخراجيتين مختلفتين، هما تجربة خالد يوسف وتجربة هيثم حقي، مساحة للمقارنة بين مسارات العمل السينمائي وتنوع طرائق التعامل مع المشروع منذ نشأته. وجاء توزيع الحوار بين ماهر الحشاش ومحمد السهلي ليمنح الندوة إطاراً حوارياً يربط بين التجربة المهنية والأسئلة العامة المتعلقة بصناعة الفيلم.
ولعلَّ أهمية هذا النوع من اللقاءات تكمن في أنه ينقل النقاش من حدود الفيلم بوصفه منتجاً نهائياً إلى ما وراء الشاشة؛ إلى الأشخاص والقرارات والتحديات التي تجعل إنجازه ممكناً.
فلسطين على الشاشة: تحولات الخطاب وأسئلة التمثيل
في الندوة الثانية، «فلسطين على الشاشة وتحولات الخطاب»، انتقل النقاش إلى تاريخ تشكّل السينما الفلسطينية، وإلى التحولات التي رافقت انتقال الفلسطينيين من موقع الموضوع الذي تُصنع عنه الأفلام إلى موقع أصحاب المبادرة في رواية حكايتهم بأدواتهم ورؤاهم الخاصة.
وتحدث المخرج فجر يعقوب عن سنوات التأسيس الأولى للسينما الفلسطينية، حين كانت الأفلام التي تتناول فلسطين تُصنع في كثير من الأحيان بأيدي سينمائيين عرب وأجانب. ثم بدأ المخرجون الفلسطينيون تدريجياً الإمساك بزمام المبادرة، والانتقال إلى إنتاج أفلامهم بأنفسهم، في تحوّل لم يكن تقنياً أو إنتاجياً فحسب، بل ارتبط أيضاً بحق امتلاك الصورة والسرد، وتحديد الكيفية التي تُروى بها التجربة الفلسطينية.
لا تنفصل أهمية مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية عن هذه المساحة الحوارية التي ترافق عروضه، فالأفلام تمنح الجمهور فرصة مشاهدة الحكايات، أما الندوات فتتيح الاقتراب من الأسئلة التي تقف خلفها: كيف تُصنع؟ ومن يرويها؟ وبأي أدوات جمالية؟ ولأي جمهور؟
وتوقف يعقوب عند مفارقة لافتة في مسارات تطور السينما الفلسطينية؛ إذ اتجه سينمائيو فلسطينيون في الخارج إلى الاشتغال بالسينما الوثائقية، فيما انتبه سينمائيو الداخل الفلسطيني إلى السينما الروائية. وتكشف هذه المفارقة عن اختلاف السياقات التي تشكلت فيها التجارب السينمائية، وعن تعدد الطرق التي اختارها المخرجون للتعبير عن واقعهم وأسئلتهم.، فالسينما الوثائقية أتاحت للمخرجين في الخارج الاشتغال على الذاكرة والشهادة والتاريخ، وعلى توثيق التجربة الفلسطينية في سياقات اللجوء والمنفى والشتات، بينما فتحت السينما الروائية أمام سينمائيي الداخل مجالاً آخر لمعالجة الحياة الفلسطينية عبر الشخصيات والحكايات والعلاقات اليومية، واستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية من خلال البناء الدرامي.
ولا تعني هذه المفارقة وجود حدود فاصلة بين الشكلين أو أن أحدهما احتكر موضوعاً بعينه، بل تشير إلى مسارين بارزين في تطور التجربة الفلسطينية، تشكلا تحت تأثير اختلاف المكان والظروف والإمكانات. وفي الحالتين، كان الهاجس المشترك هو استعادة الفلسطيني لحقه في رواية تجربته، لا بوصفه شخصية في حكاية يكتبها الآخرون، بل بوصفه صاحب الرؤية والصوت والقرار الفني.
شارك في الندوة أيضاً المخرج ماهر حشاش الذي تحدث عن تجارب مخرجين فلسطينيين وعرب أسهموا باثراء السردية السينمائية الفلسطينية، وأدارت الحوار الدكتورة نبيلة علي. وقد أتاح هذا المحور التاريخي الذي قدمه ماهر حشاش النظر إلى تحوّلات الخطاب السينمائي الفلسطيني باعتبارها جزءاً من تحوّلات أوسع في علاقة السينما بالهوية والذاكرة والمكان، وفي قدرة المبدع الفلسطيني على الانتقال من تمثيل قضيته إلى بناء لغته السينمائية الخاصة.
السينما والفنون: الصورة نتاج عمل جماعي
الندوة الثالثة، «السينما والفنون»، وسّعت زاوية النظر إلى الفيلم، فلم تتوقف عند المخرج أو النص أو الإنتاج، بل اتجهت إلى العناصر الفنية التي تشكل العالم المرئي للعمل السينمائي، وتمنحه ملامحه وإيقاعه وهويته البصرية.
شارك في الندوة الدكتورة مارغو حداد، ومدير التصوير المصري كمال عبد العزيز، ومهندس الديكور ناصر جليلي، والمنتج والمخرج يحيى سليمان، وأدارت الحوار الدكتورة نبيلة علي.
وتكمن أهمية هذه التشكيلة في أنها تجمع تخصصات مختلفة تتقاطع جميعها في صناعة الصورة السينمائية. فالمخرج يحمل الرؤية العامة للعمل، لكن تحويل هذه الرؤية إلى عالم محسوس يتطلب تعاوناً إبداعياً وتقنياً بين عناصر متعددة. مدير التصوير يتعامل مع الضوء والظل والتكوين وحركة الكاميرا، فيما يسهم مهندس الديكور في بناء المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات، ويعمل المنتج على توفير الشروط التي تسمح بتكامل هذه العناصر وإنجاز المشروع.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الصورة السينمائية باعتبارها مجرد تسجيل لما يحدث أمام الكاميرا، إنها بناء فني تتداخل فيه اختيارات اللون والإضاءة والفضاء والحركة والتكوين. وقد تكون بعض هذه الاختيارات غير ظاهرة للمشاهد بصورة مباشرة، لكنها تؤثر في إحساسه بالمكان والشخصيات، وفي الطريقة التي يتلقى بها الحكاية.
كما يفتح عنوان الندوة المجال أمام نقاش العلاقة بين السينما والفنون التشكيلية والعمارة والموسيقى وغيرها من أشكال التعبير الإبداعي، فالسينما، بطبيعتها، فن مركب يستوعب عناصر من عوالم فنية متعددة، ثم يعيد توظيفها داخل بنية سردية وبصرية واحدة، ولذلك فإن فهم الفيلم لا يكتمل بالنظر إلى حكايته وحدها، بل يتطلب الانتباه أيضاً إلى الطريقة التي صُنعت بها صورته، وإلى الجهد الجماعي الذي يقف وراءها.
إن جمع مخرج ومصور سينمائي ومهندس ديكور ومنتج في جلسة واحدة يتيح مقاربة عملية لهذه العلاقة، ويؤكد أن الفيلم ليس نتاج رؤية فردية معزولة، بل ثمرة تعاون بين اختصاصات تتكامل وتختلف، وقد تتفاوض أحياناً حول أفضل السبل لتحقيق التصور الفني.
من الحوار إلى بناء ذاكرة سينمائية مشتركة
تكشف الندوات الثلاث، عند قراءتها مجتمعة، عن رغبة في تقديم السينما باعتبارها صناعة وفناً وخطاباً ثقافياً في آن واحد، فالندوة الأولى بحثت في الطريق من الفكرة إلى الشاشة، والثانية وضعت تمثيل فلسطين وتحوّلات السرد في مركز الاهتمام، بينما أعادت الثالثة الاعتبار إلى الفنون والتخصصات التي تصنع الصورة وتمنحها هويتها.
وهذا التنوع يمنح البرنامج الحواري للمهرجان قيمة تتجاوز الجانب التعريفي أو الاحتفالي، فوجود مخرجين من تجارب مختلفة، إلى جانب مختصين في التصوير والديكور والإنتاج، يتيح تبادل الخبرات وفتح أسئلة تتصل بمستقبل السينما العربية والفلسطينية، وبالشروط التي تحتاج إليها حتى تواصل إنتاج حكاياتها والوصول بها إلى جمهور أوسع.
في النهاية، لا تنفصل أهمية مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية عن هذه المساحة الحوارية التي ترافق عروضه، فالأفلام تمنح الجمهور فرصة مشاهدة الحكايات، أما الندوات فتتيح الاقتراب من الأسئلة التي تقف خلفها: كيف تُصنع؟ ومن يرويها؟ وبأي أدوات جمالية؟ ولأي جمهور؟
وبين الفكرة والشاشة، وبين فلسطين وتحوّلات خطابها، وبين السينما والفنون، قدمت الندوات الثلاث خريطة متنوعة للأسئلة التي تشغل صنّاع السينما، وأكدت أن المهرجان لا يحتفي بالأفلام بوصفها عروضاً تنتهي بانطفاء الضوء، بل يسعى إلى جعلها مدخلاً لحوار ثقافي وفني أوسع.
