ثمة كتب لا تبدأ من حكاية، بل من خسارة، وثمة كتّاب يحتاجون إلى الاقتراب من الموت كي يكتشفوا أن الحياة، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، كانت طوال الوقت تختبئ في مكان آخر: في صوت الأب، وفي يديه الملوّثتين بالتراب، وفي شجرة غرسها منذ سنوات، وفي حكاية كان يرويها للمرّة العاشرة كأنها تحدث للمرة الأولى.
من هذه المنطقة الحميمة يأتي الروائي البلغاري غيورغي غوسبودينوف في كتابه «البستاني والموت»، العمل الذي نال جائزة كولتورهوسيت ستادستيترن الدولية للأدب في ستوكهولم لعام 2026، مناصفة مع مترجمته إلى السويدية هانا ساندبوري.
إنه تكريم يتجاوز الاحتفاء بكتاب جديد إلى الاعتراف بتجربة أدبية تعرف كيف تحوّل أكثر التجارب خصوصية إلى سؤال إنساني مشترك، فالموت هنا ليس موضوعاً فلسفياً مجرداً، ولا مناسبة لاستعراض البلاغة حول الفناء، بل تجربة يعيشها ابن إلى جوار أبيه المحتضر، محاولاً أن يفهم ما يحدث، وأن يستعيد ما مضى، وأن يجد الكلمات التي يمكنها أن تحتمل هذا الغياب، ولعلَّ أجمل ما في عنوان الكتاب أنه يضع الحياة والموت في علاقة تبدو متناقضة، لكنها شديدة الألفة: الأب الذي قضى عمره يعتني بالأرض ويزرع الأشجار، يصبح، بعد رحيله، حديقةً كاملة في ذاكرة ابنه.
من يروي حكاية البستاني؟
وُلد غيورغي غوسبودينوف عام 1968 في مدينة يامبول البلغارية، وهو شاعر وروائي وكاتب مسرحي، يُعد من أبرز الأصوات الأدبية البلغارية التي وصلت إلى القرّاء خارج حدود لغتها. عرفه القرّاء الأجانب عبر أعماله التي تتقاطع فيها الذاكرة والتاريخ والخيال والسخرية، وخصوصاً روايته «ملجأ الزمن»، التي فازت بجائزة البوكر الدولية عام 2023، بترجمة أنجيلا روديل.

لكن رواية «البستاني والموت» تقترب من منطقة مختلفة في مشروعه، فبعد أن تناول في «ملجأ الزمن» الذاكرة الجماعية والحنين إلى الماضي، وما يمكن أن يحدث حين تتحوّل الرغبة في استعادة الأزمنة السابقة إلى مشروع سياسي واجتماعي، يعود هنا إلى مساحة أكثر خصوصية: علاقة الابن بأبيه، وذاكرة العائلة، والأيام الأخيرة لرجل يعرف أن الزمن الذي عاشه يقترب من نهايته.
تبدأ الرواية من جملة بسيطة ومؤثرة: «كان أبي بستانياً. الآن أصبح حديقة». هذه العبارة ليست مجرد افتتاح شعري، بل مفتاح العمل كله، فالأب الذي عاش قريباً من الأرض، وعرف مواسمها وأشجارها وثمارها، يتحوّل بعد الموت إلى صورة مجازية تختزن حياته وذكرياته وحكاياته، وكأن الابن، الذي يجلس إلى جواره في أيامه الأخيرة، يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من حياة تتسرب منه، وأن يحوّل الفقد إلى شكل آخر من أشكال الحضور.
الأب.. حارس الحكايات الأخيرة
تتحرّك الرواية بين ما قبل المرض، وأيام احتضار الأب، وما يتبع الموت من فراغ وأسئلة وذكريات. ليست هناك حكاية تسير وفق خط زمني مستقيم، بل تداعيات تستدعي بعضها بعضاً. ذكرى تفتح باباً على طفولة، وحوار طبي يستدعي حكاية عن البستان، وتفصيل عائلي صغير يعيد تشكيل صورة رجل بكامله.
الأب في الكتاب ليس مجرد رجل مريض ينتظر نهايته. إنه حكّاء من طراز خاص، يمتلك مخزوناً من القصص عن حياته وعائلته وبلدته والعالم الذي نشأ فيه. حتى حين يسأله الطبيب عن تاريخه الصحي، تتدفق منه حكايات عن الحديقة والحصاد والعنب وذبح الخنازير، وكأن الرجل لا يستطيع أن يروي مرضه إلا من خلال الحياة التي عاشها، ولا يستطيع أن يواجه الموت إلا باستدعاء تفاصيل العالم الذي عرفه.
وهنا يقدم غوسبودينوف واحداً من أجمل وجوه الأبوة في الأدب: الأب بوصفه ذاكرة عائلية تمشي على قدمين، فحين يموت، لا نفقد شخصاً فحسب، بل نفقد معه مكتبة من الحكايات، وأسماء أشخاص لم نلتقِ بهم، وأماكن لم نزرها، وطرائق خاصة في فهم العالم.
يقول الكاتب إن والده كان ينتمي إلى جيل من الناس الذين لم يسافروا، لكن حكايته وصلت الآن إلى ستوكهولم. في هذه العبارة شيء من العدالة الأدبية، فالرجل الذي لم يقطع المسافات في حياته، عبرت قصته اللغات والبلدان بعد موته. لقد منحته الكتابة سفراً لم تتح له الحياة أن يقوم به.
الحديقة.. استعارة الحياة التي لا تتوقف
تبدو الحديقة العنصر المركزي الذي تنتظم حوله صور الرواية، لكنها ليست خلفية طبيعية جميلة أو استعارة جاهزة للموت والبعث، بل عالم كامل تتداخل فيه العناية، والتعب والانتظار والفقد.
البستاني يعرف أن ما يزرعه لا يبقى على حاله. هناك نباتات تنمو، وأخرى تذبل، وأشجار تحتاج إلى التقليم، وثمار لا تأتي في موعدها دائماً. إنه يتعامل مع الزمن بصورة عملية، يراه في تغيّر الفصول وفي بطء النمو وفي عودة الحياة بعد موت ظاهري.
ومن هنا تتولد العلاقة العميقة بين مهنة الأب وتجربة الابن، فكما تتطلّب الحديقة رعاية مستمرة، تحتاج الذاكرة أيضاً إلى من يحرسها، وكما لا يستطيع البستاني منع الشتاء، لا يستطيع الابن منع الموت، لكًنه يستطيع أن يحتفظ بما نما في تلك الأرض، وأن يعيد رواية القصص التي تركها الأب خلفه.
الحب في هذا الكتاب لا يظهر بوصفه خطاباً عاطفياً معلناً، بل في تفاصيل الرعاية: الجلوس قرب سرير المريض، والانتباه إلى كلامه، واستعادة عاداته الصغيرة، وتذكّر الأشياء التي كان يراها الآخرون عادية ولا تستحق التوقف عندها. إنه حب لا يبحث عن الكلمات الكبيرة، بل يجد معناه في البقاء إلى جوار من نحب حين تصبح الكلمات عاجزة.
بين السيرة الذاتية والخيال
من الخصائص اللافتة في كتابة غيورغي غوسبودينوف أنه لا يرسم حداً فاصلاً بصورة حاسمة بين الحياة والخيال، فالرواية تستند إلى تجربة شخصية عميقة، لكنها لا تقدم نفسها باعتبارها سجلاً وثائقياً خالصاً للأحداث.
تتسلل إلى الكتاب تأملات في الأبوة والذاكرة، وحكايات الأصدقاء عن آبائهم، وإحالات إلى الأدب والأسطورة، وصولاً إلى استحضار هوميروس وشخصية تيليماخوس، الابن الذي ينتظر عودة أبيه أوديسيوس، ومن خلال هذا الاستدعاء، يتسع فقد الأب الفردي ليصبح جزءاً من ذاكرة أدبية قديمة، حيث يظل غياب الأب أحد الأسئلة المؤسسة للحكاية الإنسانية.
بل إن ظهور شخصية غاوستين من رواية «ملجأ الزمن» داخل الكتاب يربك القراءة السيرية المباشرة، ويعيدنا إلى العالم الذي يفضله الكاتب: عالم تتداخل فيه الذاكرة بالاختراع، والواقعة بالتأويل، والتجربة الشخصية بما تختزنه الثقافة من صور وحكايات، وهذه إحدى نقاط قوة غوسبودينوف، فهو لا يحاول إثبات أن ما يرويه حدث بهذه الصورة الدقيقة، بقدر ما يسأل عما تفعله الذاكرة بما حدث، وكيف تعيد ترتيب الماضي كي تمنحه شكلاً يمكن للإنسان أن يتعايش معه.
حين لا يكون الحزن نقيضاً للضحك
على الرغم من أن الموت والمرض يشكلان المركز العاطفي للرواية، فإن الكتاب لا يغرق في الكآبة المستمرة، فثمة مساحة واضحة للفكاهة والحنين والسخرية اللطيفة، وهي عناصر تمنح الأب حضوراً حيَّاً بدل أن تحصره في صورة المريض الذي تلتقطه النهاية.
أُعلن فوز غيورغي غوسبودينوف وهانا ساندبوري بالجائزة يوم أمس 3 نوفمبر 2026، ويتقاسمان 200 ألف كرونة سويدية، واللقاء المقرر في 19 يناير 2027 هو لقاء أدبي في ستوكهولم، وليس موعد الإعلان عن الفوز
يظهر الرجل محبّاً للحديقة، شديد الانتباه إلى تفاصيلها، قادراً على رؤية الجمال في أشياء قد تبدو تافهة للآخرين، وتصبح حكاياته امتداداَ لحياته، حتى في لحظات الضعف الجسدي، وهنا يتجنّب غوسبودينوف الفخ الشائع في أدب الرثاء: تحويل الميت إلى شخصية مثالية لا عيوب لها ولا تناقضات. إنه يعيد إلينا أباً حقيقياً، له عاداته وطباعه وطريقته في رواية القصص، رجلاً يمكن أن نضحك معه بقدر ما نحزن عليه.
ومع ذلك، لا تخلو التجربة من ملاحظة نقدية، فقد رأى بعض النقّاد السويديين أن الاستعارات المتكررة للحديقة قد تصبح أحياناً ملحّة أكثر مما ينبغي، وأن بعض المعاني كان يمكن تركها للقارئ بدل شرحها، وهي ملاحظة تستحق التأمل، خصوصاً أن قوة العمل تكمن أصلاً في قدرته على جعل الصورة تنمو داخل الذاكرة من دون حاجة إلى تفسير دائم، لكن هذا التحفظ لا يلغي نجاح الكاتب في خلق صورة مؤثرة للأب، ولا خصوصية المزج بين الحميمية والفكاهة والحزن.
جائزة تحتفي بالأدب
إن فوز «البستاني والموت» بجائزة كولتورهوسيت ستادستيترن الدولية للأدب لا يخص غوسبودينوف وحده، فالجائزة تُمنح سنوياً لعمل أدبي متميّز في ترجمة سويدية جديرة بالتقدير، ولهذا تشترك فيها المترجمة هانا ساندبوري، التي منحت النص صوتاً سويدياً جديداً، وأسهمت في وصول هذه التجربة البلغارية إلى قرائها في الشمال الأوروبي.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة، فالترجمة الأدبية ليست نقلاً آلياً للكلمات من لغة إلى أخرى، بل عبور للتجربة والإيقاع والحساسية الثقافية، ومن دون المترجم، تبقى حكايات كثيرة سجينة حدود لغاتها، حتى لو امتلكت القدرة على مخاطبة العالم كله.
ويُعد هذا التكريم اعترافاً مزدوجاً بكاتب استطاع أن يحوّل تجربة شخصية شديدة الخصوصية إلى أدب عابر للثقافات، وبمترجمة أدركت أن صوت النص لا ينفصل عن إيقاعه وطبقاته العاطفية والفكرية.
ما الذي يبقى بعد موت البستاني؟
ربما لا يقدم غوسبودينوف في «البستاني والموت» إجابة جديدة عن سؤال الموت، فهذا السؤال أقدم من الأدب نفسه، ولا توجد رواية قادرة على إنهائه، لكنه يقترب من منطقة أكثر إنسانية: كيف نعيش بعد رحيل الذين صنعوا جزءاً من عالمنا؟ وكيف نحتفظ بحكاياتهم من دون أن نحوّلهم إلى تماثيل في ذاكرتنا؟
إن الأب يموت، لكن الحديقة تستمر في أداء وظيفتها الرمزية. الأشجار لا تعيد الإنسان، والذكريات لا تلغي الخسارة، والكتابة لا تهزم الموت، لكنها تمنح الغياب شكلاً يمكن النظر إليه، وتتيح للحياة أن تواصل نموها داخل الحكاية.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب. إنه لا يعدنا بالخلاص من الحزن، بل يمنحنا لغة أكثر رقة لمواجهته، ويذكرنا بأن موت شخص لا يعني انتهاء العالم الذي صنعه، وأن بعض الآباء يتركون وراءهم أكثر من بيوت وأشجار. يتركون طريقة في رؤية الحياة، ومجموعة حكايات تنتظر من يرويها.
لقد حمل الأب حديقته في حياته، وحمل الابن ذاكرته بعد رحيله. وبين الاثنين، نشأت رواية عن الزمن والحب والموت، لكنها في جوهرها رواية عن الامتنان: امتنان الابن لمن علّمه أن يزرع، وأن ينتظر، وأن يفهم أن الأشياء الجميلة لا تُمنح لنا إلى الأبد
