وسط حضور جماهيري لافت ملأ صالة سينما بانورا مساء أمس الأحد، أسدل مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية الستار على فعاليات دورته الرابعة، بعد ثلاثة أيام من العروض السينمائية واللقاءات والندوات التي وضعت الفيلم الفلسطيني والعربي أمام جمهور المدينة، في تظاهرة ثقافية أكدت مجدداً أهمية السينما بوصفها مساحة للحوار وحفظ الذاكرة.
وجاء حفل الختام جامعاً بين الاحتفاء بالأفلام وصنّاعها، والإعلان عن قرارات لجان التحكيم في المسابقتين الروائية والوثائقية، إلى جانب تكريم أعضاء لجنتي التحكيم ومنحهم درع المهرجان، تقديراً لمشاركتهم في تقييم الأعمال السينمائية واختيار الأفلام الفائزة
واختار المهرجان أن يختتم عروضه بفيلم «الليل الطويل»، من إخراج الراحل حاتم علي وسيناريو هيثم حقي، وقد منح هذا الاختيار الأمسية بعداً سينمائياً خاصاً، باستعادة عمل يحمل توقيع اسمين بارزين في المشهد الدرامي والسينمائي العربي، كما أتاح مناسبة لاستحضار تجربة حاتم علي الفنية وما تركه رحيله من أثر في الذاكرة الثقافية والفنية العربية.

جوائز المسابقة الروائية
في مسابقة الأفلام الروائية، توزعت الجوائز على أعمال وممثلين عكست نتائجهم تعدد مستويات التقدير الفني، وجاءت على النحو الآتي:
- الجائزة الأولى: فيلم (سيصيرون فراشات) للمخرج الإيطالي إنريكو فراتارولي
- الجائزة الثانية: فيلم «العهد» للمخرج السوري سموءل سخية.
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة: للفنان إبراهيم النوابنة عن دوره في فيلم «غميضة» للمخرجة تالا أبو نعمة.
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة: للطفل إلياس القريشي عن دوره في فيلم «يد الخالق» للمخرجة غلوريا نجيم.
وكشفت هذه النتائج عن اهتمام لجنة التحكيم بالعمل السينمائي بوصفه حصيلة عناصر فنية متكاملة، لا تقتصر على الرؤية الإخراجية أو موضوع الفيلم، بل تشمل أيضاً الأداء التمثيلي وقدرة الممثل على بناء الشخصية ومنحها حضوراً مؤثراً على الشاشة. واكتسب منح جائزتين خاصتين للأداء التمثيلي دلالة لافتة، خصوصاً مع تكريم ممثل طفل، بما يؤكد أهمية الطاقات التمثيلية الشابة ودورها في إثراء التجارب السينمائية.
الوثائقي الفلسطيني والعالمي في صدارة الجوائز
أما المسابقة الوثائقية، فقد حملت نتائجها تنوعاً في الموضوعات والعناوين، مع حضور واضح للأفلام التي تشتبك مع الواقع الفلسطيني وأسئلة الحياة والذاكرة والتجربة الإنسانية. وجاءت الجوائز على النحو الآتي:
- جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل: فيلم «غزة: صوت الحياة والموت»، للمخرج حسام أبو دان. .
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الوثائقي الطويل – الأولى: فيلم «أثقل من الحياة»، للمخرج مصطفى النبيه.
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الوثائقي الطويل – الثانية: فيلم «فلسطيني غير مرغوب فيه» للمخرج عمر شرقاوي.
- جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير: فيلم «أبو جبل»، للمخرجة بيسان عودة.
- جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الوثائقي القصير: فيلم «استثناء» للمخرج عز الدين شلح
وتبرز أهمية هذه النتائج في تخصيص مساحة واضحة للفيلم الوثائقي، بوصفه شكلاً سينمائياً قادراً على الاقتراب من الوقائع والتجارب الإنسانية، وتقديمها عبر رؤى فنية مختلفة، فالفيلم الوثائقي لا يكتفي بتسجيل الحدث، بل يطرح أسئلة حول كيفية روايته، وموقع صانعه منه، والعلاقة بين الصورة والحقيقة والذاكرة.
ومن اللافت أن قائمة الجوائز الوثائقية جمعت بين الأفلام الطويلة والقصيرة، ومنحت لجنة التحكيم جوائز خاصة لثلاثة أعمال، إلى جانب جائزتي أفضل فيلم، وهو ما يتيح الاعتراف بتجارب متنوعة في الشكل والمدة والمعالجة، ويؤكد أن القيمة السينمائية لا ترتبط بالمساحة الزمنية للعمل بقدر ارتباطها بقدرته على بناء رؤيته وإيصال أثره.
لم يكن ختام المهرجان مجرد إعلان عن أسماء الفائزين، بل محطة جديدة في مسار تظاهرة تسعى إلى ترسيخ حضور مختلف للسينما في مدينة مالمو
ويحمل فوز «غزة: صوت الحياة والموت» بجائزة أفضل فيلم وثائقي طويل أهمية خاصة في سياق مهرجان يحتفي بالسينما الفلسطينية، فيما جاء منح جائزة لجنة التحكيم لفيلم «فلسطيني غير مرغوب فيه»، إلى جانب فيلمي «أثقل من الحياة» و«أبو جبل» و«استثناء»، ليفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف مقاربات وثائقية متعددة، تتباين في موضوعاتها وأساليبها.
تكريم لجنتي التحكيم وإسدال الستار
وفي ختام الحفل، جرى تكريم أعضاء لجنتي التحكيم المؤلفة من الدكتورة مارغو حداد والمخرج ماهر حشاش، ومدير التصوير كمال عبد العزيز والمخرج فجر يعقوب، والمخرج المسرحي كريم رشيد والممثل والمخرج صلاح الحوراني، ومنحهم درع المهرجان من قبل رئيس المهرجان يحيى أبو وطفة، تقديراً لمساهمتهم في متابعة الأعمال المشاركة وتقييمها، ومشاركتهم في إنجاح المسابقتين الروائية والوثائقية، ومنح الدرع كذلك للمدير الفني للمهرجان محمد السهلي .
ولم يكن هذا التكريم مجرد فقرة بروتوكولية في برنامج الختام، بل مثّل محطة للاحتفاء بالجهد النقدي والفني الذي يرافق صناعة المهرجانات، حيث تشكل لجان التحكيم حلقة أساسية في الحوار حول الأعمال السينمائية، وما تطرحه من رؤى وأساليب وتجارب.
السينما الفلسطينية في مالمو: مساحة ضد الكليشيهات
وبعيداً عن تسليم الجوائز والتكريمات، فإن الحضور الجماهيري في أمسية الختام يمثل مؤشراً مهماً على حضور المهرجان في مدينة مالمو، فقد انطلق ليستمر و ينمو ويغيّر من إيقاعات الحياة الثقافية والسينمائية في هذه المدينة المتعددة الثقافات والأعراق، وليؤكد على حاجة الجمهور إلى فعاليات تتيح له الاقتراب من الثقافة السينمائية من خلال الفن، لا من خلال الأخبار والصور النمطية، فالمهرجان لا يؤدي وظيفة عرض الأفلام فحسب، بل يفتح نافذة للتواصل بين السينمائيين والجمهور، ويمنح الأعمال فرصة للوصول إلى مشاهدين قد لا تتاح لهم مشاهدتها خارج إطار المهرجانات المتخصصة، كما يوفر مساحة للتعريف بتنوع السينما الفلسطينية، واختلاف أساليب مخرجيها، وتعدد الموضوعات التي تتناولها، من الذاكرة والهوية والمنفى إلى الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية والتحوّلات الاجتماعية.
ومن الناحية النقدية، تبرز أهمية مثل هذه المبادرات في قدرتها على تجاوز الاكتفاء بالتضامن الرمزي مع القضية الفلسطينية، والانتقال إلى تقديم السينما نفسها باعتبارها فنَّاً يستحق المشاهدة والنقاش والتحليل، فالفيلم الفلسطيني ليس مجرد وثيقة عن واقع سياسي، بل تجربة جمالية لها لغتها وأدواتها وخصوصيتها، وتستحق أن تُقرأ وفق معاييرها الفنية، إلى جانب سياقها التاريخي والإنساني.
ومع إسدال الستار على الدورة الرابعة، يترك مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية انطباعاً يتجاوز أيام انعقاده، بما أتاحه من لقاء بين الأفلام والجمهور، وبما أكده من حضور للثقافة الفلسطينية في المشهد الثقافي السويدي.
وبين فيلم «الليل الطويل» في أمسية الختام، والأعمال التي حصدت جوائز المسابقتين الروائية والوثائقية، بدت السينما مرة أخرى قادرة على جمع الذاكرة بالحاضر، والفن بالأسئلة الإنسانية، ومنح الحكايات فرصة للوصول إلى جمهور أوسع.
لم يكن ختام المهرجان مجرد إعلان عن أسماء الفائزين، بل محطة جديدة في مسار تظاهرة تسعى إلى ترسيخ حضور مختلف للسينما في مدينة مالمو، وتوسيع المساحة التي تشغلها الحكاية الفلسطينية على الشاشة، عبر أفلام وتجارب متعددة، وجمهور يلتقي حول السينما بوصفها لغة مشتركة للحوار والفهم وتبادل الآراء والرؤى والتطلعات.
