لا تبدو تجربة الفنانة التشكيلية العراقية هدى القزويني محصورة في لوحة أو مادة بعينها، فهي تجربة تتسع للنسيج والزجاج والحجر والكولاج، وتتنقل بين الرسم والنحت، وبين الذاكرة الشخصية وما تتيحه الخامات من احتمالات تعبيرية. ومن بغداد إلى عمّان وهلسنكي، وصولاً إلى الدنمارك، تشكل مسارها عبر انتقالات جغرافية وثقافية تركت أثرها في خياراتها الفنية، وفي الطريقة التي تنظر بها إلى المادة بوصفها أكثر من وسيط لتشكيل الصورة.
تُعرف الفنانة باسم هدى القزويني، وتحمل في الدنمارك اسم هدى القزويني سوغارد (Huda Al-Kazwine Søgaard). وتكشف سيرتها عن مسارين متداخلين: مسار فني بدأ مبكراً، ومسار ثقافي واجتماعي جعل من الفن أداة للتواصل بين المرأة والمجتمعات والثقافات المختلفة.

من بغداد إلى الشمال الأوروبي: رحلة لا تنفصل عن الذاكرة
بدأت هدى القزويني ممارسة الفن التشكيلي عام 1989، وتذكر سيرتها الفنية أنها درست الهندسة الكيميائية، إلى جانب تلقيها دراسة فنية، وهو تكوين يفتح مجالاً للتساؤل عن علاقتها المبكرة بالمواد وتركيبها وخصائصها، وعن الكيفية التي يمكن أن تتحوّل بها المعرفة التقنية إلى حسّ بصري وتجريب بالخامات.
لم يكن انتقالها من العراق إلى أوروبا انتقالاً مباشراً أو بسيطاً، فقد مرّ مسارها بالأردن، حيث عملت في تدريس الفنون للفتيات، ثم هلسنكي في فنلندا، قبل أن تستقر في الدنمارك. وفي هذه المحطات لم تكن الفنانة تنتقل بين بلدان فحسب، بل كانت تعيد بناء علاقتها بالمكان واللغة والمجتمع، وتحمل معها في الوقت نفسه ذاكرة عراقية ظلّت حاضرة في اختياراتها الفنية.
عملت القزويني في تدريس الفنون، وشاركت في معارض متعددة، من بينها عرض لأعمالها في الكولاج النسيجي داخل متحف للفن الحديث في هولندا، حيث بقيت معروضة أمام الجمهور لمدة شهر. وقد تزامن نشاطها الفني مع عملها على دعم النساء المهاجرات ومساعدتهن على إبراز مهاراتهن وإيجاد فرص لهن في المجتمع الجديد.
لغة الخامات: حين تتحوّل المادة إلى حكاية
تتعدد الوسائط التي تعمل بها هدى القزويني، فهي لا تقتصر على الرسم التقليدي، بل تستخدم الصور النسيجية والكولاج والفن متعدد الوسائط والأكريليك والزجاج، إلى جانب اشتغالها على الحجر، وهذا التنوّع لا يمثل مجرد انتقال بين تقنيات مختلفة، بل يكشف عن ميل إلى التعامل مع المادة بوصفها جزءاً من معنى العمل، لا إطاراً محايداً يحتضن الصورة.
في الكولاج، تتجاور الخامات وتتداخل الأسطح، فتغدو اللوحة مساحة تجمع عناصر لا تنتمي بالضرورة إلى عالم واحد، وفي الأعمال النسيجية، يكتسب الملمس حضوراً يتجاوز الجانب الزخرفي، بينما يتيح الزجاج والحجر إمكانات أخرى تتصل بالشفافية والصلابة والوزن والأثر، ومن هنا يمكن قراءة تجربتها بوصفها بحثاً في الحدود بين اللوحة والقطعة الفنية، وبين ما يُرسم وما يُركّب ويُنسج ويُشكّل.
وتبدو هذه النزعة إلى التجريب أكثر وضوحاً في مشاركتها ضمن «سمبوزيوم المرأة والحياة» المصاحب للدورة السابعة من مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عام 2023، فقد شاركت بعملين: لوحة مستوحاة من رواية «الأسود يليق بكِ» للكاتبة أحلام مستغانمي، وعمل نحتي من الحجر.
لا تحتاج هدى القزويني إلى أن تختار بين انتمائها العراقي وإقامتها الدنماركية، فتجربتها، كما تكشف عنها أعمالها ومشاركاتها، تتشكل في المساحة التي يلتقي فيها الاثنان
لم تتعامل القزويني مع الرواية باعتبارها نصاً ينبغي تحويل أحداثه إلى مشهد مرسوم، بل انطلقت من إحدى صورها الحكائية: رجل ينجذب إلى امرأة ترتدي الأسود خلال مقابلة عمل، فيصبح اللون مدخلاً إلى الحكاية وإلى علاقتها بالشخصية، وقد وصفت عملها بأنه تجريدي، موضحة أنها استخدمت الجلد والخيوط والحديد والأسلاك والسجاد والخشب، وهي خامات أحضرتها من الدنمارك ومصر.
استغرق العمل، منذ قراءة الرواية وتكوين الفكرة وإعداد الرسوم الأولية وصولاً إلى جمع المواد، نحو أربعة أشهر. وهذه المدة تكشف عن عملية فنية لا تبدأ من التنفيذ المباشر، بل من التفاعل مع النص الأدبي، ثم البحث عن مواد قادرة على حمل أثره وتحويله إلى لغة بصرية مستقلة.
أما العمل الثاني، فقد انطلق من الحجر نفسه، وخلال رحلاتها في مصر استوقفها حجر الغرانيت الذي جمعته في منطقة الغردقة، فحملته إلى تجربتها الفنية، وأعادت تشكيله عبر إشارات تستلهم العادات والتقاليد والفولكلور العراقي، وهكذا اجتمعت في عمل واحد مادة من جغرافيا مصرية وذاكرة بصرية عراقية، ضمن تجربة تنطلق من المكان لكنها لا تتقيّد بحدوده.
من روتردام إلى مالمو وأسوان: حضور في فضاءات فنية متعددة
شاركت هدى القزويني في عدد من المعارض التي وثقت انتقال تجربتها بين فضاءات فنية مختلفة، ففي روتردام، شاركت ضمن المشروع الجماعي «شبكة، بطاطا، وذاتية» للفنانة جين فان هيسفايك، الذي أقيم بين 19 يونيو و25 سبتمبر 2011، واكتسبت هذه المشاركة أهميتها من وقوعها ضمن مشروع فني جماعي يضم أسماء وخلفيات متعددة، ويبحث في تمثيل المجتمع وعلاقاته من خلال الفن.
وفي أكتوبر – نوفمبر 2026، استضافت سينما بانورا في مالمو معرضاً لأعمال القزويني ضمن مهرجان مالمو للسينما الفلسطينية، وجاء المعرض في سياق فعالية تجمع بين السينما والفنون البصرية، وتتيح للأعمال التشكيلية حضوراً إلى جانب الأفلام والأنشطة الثقافية.
أما في يونيو من العام الفائت ، فقد استضافت مكتبة ومركز سولرود الثقافي معرضاً لها ضم أعمالاً نسيجية وكولاجاً وفناً متعدد الوسائط ولوحات أكريليك وأعمالاً زجاجية. وكشفت هذه المحطة الفنية عن استمرار حضورها في المشهد الفني الدنماركي، وعن تنوع تجربتها التي يصعب حصرها في تقنية واحدة.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاركات على عدد البلدان أو المؤسسات التي ظهرت فيها أعمالها، بل تكمن في تعدد السياقات التي عُرضت ضمنها: مشروع فني جماعي في هولندا، وفعالية سينمائية وثقافية في السويد، ومعرض في مؤسسة ثقافية محلية بالدنمارك، إلى جانب مشاركاتها في المهرجانات العربية. إنها مسارات مختلفة تتيح قراءة التجربة من زوايا متعددة، وتضعها في حوار مع جمهور وخلفيات ثقافية متنوعة.
«طريق الحرير»: الفن بوصفه فعلاً اجتماعياً
إلى جانب نشاطها التشكيلي، ارتبط اسم هدى القزويني بالعمل الثقافي والاجتماعي في الدنمارك، ولا سيما من خلال جمعية طريق الحرير الثقافية التي تتولى رئاستها.
وجاء تطور هذه المبادرة على مراحل، فقد انطلق مشروع طريق الحرير عام 2005 بدعم أوروبي، وقالت القزويني إن الجمعية تأسست في أودنسه عام 2008، وإنها تُعنى بالنساء والأطفال من خلفيات قومية متعددة، وتعمل على تعزيز الاندماج من خلال الأنشطة المشتركة والفعاليات الثقافية وتطوير مهارات المشاركات.
وتشمل أنشطتها ورشاً إبداعية وزيارات إلى المتاحف وندوات ثقافية ومعارض للأعمال اليدوية، فضلاً عن نشاطات اجتماعية وقرائية وتركز على أهمية الاندماج في المجتمع الدنماركي مع الحفاظ على قيم المجتمعات الأصلية، وعلى ضرورة تعزيز التواصل والتعاون بين أفراد الجاليات المهاجرة.

وقد تحدثت القزويني في أوقات سابقة عن رغبتها في أن تمتلك النساء المهاجرات، ولا سيما العربيات، حضوراً فاعلاً بعيداً عن العزلة والصورة النمطية، وتبدو هذه الرؤية امتداداً لطريقة اشتغالها في الفن: إتاحة المجال لخلفيات متعددة كي تلتقي، وللمهارات التي قد تحجبها ظروف الهجرة كي تجد طريقها إلى الظهور.
وهنا تتقاطع التجربة الفنية مع العمل الاجتماعي، فكما تجمع الفنانة في لوحاتها مواد وخامات تنتمي إلى عوالم مختلفة، تعمل الجمعية على جمع نساء من ثقافات متعددة ضمن فضاء مشترك، لا يُطلب منهن فيه التخلّي عن جذورهن، بل تحويل اختلافهن إلى مصدر للتعارف والإبداع والتعاون.
بين الذاكرة والتجريب: هوية لا تتوقف عند الجغرافيا
لا تحتاج هدى القزويني إلى أن تختار بين انتمائها العراقي وإقامتها الدنماركية، فتجربتها، كما تكشف عنها أعمالها ومشاركاتها، تتشكل في المساحة التي يلتقي فيها الاثنان. العراق حاضر في الإحالات إلى الفولكلور والعادات والذاكرة، والدنمارك حاضرة في سياق العمل والإقامة والمشاركة الثقافية، بينما تضيف المحطات الأخرى مواد وتجارب وأسئلة جديدة.
والأهم أن هذه الصلة لا تظهر في موضوعات الأعمال وحدها، بل في مادتها أيضاً، فحين تختار الجلد والخيوط والحديد والخشب، أو تستعين بحجر جمعته في رحلة، فإنها توسع معنى اللوحة وتحوّلها إلى تركيب يحمل أثر الأشياء والأماكن. لا تعود المادة مجرد وسيلة لإنجاز شكل، بل تصبح جزءاً من السرد الذي يقترحه العمل.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تجربة هدى القزويني باعتبارها محاولة مستمرة لتحويل العبور إلى لغة فنية، فالمسافة بين بغداد وكوبنهاغن لا تُمحى، لكنها لا تبقى جرحاً أو حنيناً مجرداً، إنها تتحوّل إلى خامة وملمس وصورة وحكاية، وإلى فعل ثقافي يفتح المجال أمام الآخرين كي يعبروا بدورهم.
قد يكون الوصف الأدق لهذه التجربة أنها رحلة نحو العالمية، وفي نفس الوقت هي رحلة متواصلة بين الأمكنة والمواد والذاكرات. رحلة تحتفظ فيها الفنانة بأثر دجلة، وتترك في الوقت نفسه للخامات الجديدة أن تقترح أشكالاً أخرى للحياة والفن.
