يعود سؤال الحب إلى الواجهة مع صدور كتابين يقتربان منه من زاويتين مختلفتين: الطبعة الجديدة من كتاب الكاتبة والناشطة النسوية الأميركية بيل هوكس، اسمها الحقيقي غلوريا جين واتكنز، «كل شيء عن الحب: رؤى جديدة»، الذي صدر قبل ربع قرن، وكتاب «عصر الحب» للكاتب السويدي ماغنوس فاستربرو، الحائز جائزة أوغست، الذي يأخذ القارئ في رحلة واسعة عبر تاريخ الحب من العصور القديمة إلى الحاضر، وبينما تدعونا هوكس إلى إعادة التفكير في مكان الحب داخل حياتنا ومجتمعاتنا، يتتبع فاستربرو كيف تغيّرت معاييره عبر القرون، وكيف ظلَّ الشوق الإنساني إليه حاضراً رغم التحوّلات الاجتماعية والثقافية.
بيل هوكس.. الحب في مواجهة السلطة والاستهلاك
تبدو نظرة بيل هوكس إلى المجتمع قاتمة، على الرغم من أن الطبعة الأولى من كتابها ظهرت في زمن تستعيده الذاكرة أحياناً بوصفه أكثر خفة وتفاؤلاً، ففي مقدمة الطبعة الجديدة، تتوقف عند محادثة مع مغنية الراب ليل كيم، التي استهزأت بسؤال الحب، لتجد في ذلك علامة على خلل أعمق: كيف أصبح الحب، الذي يتوق إليه البشر، أمراً يمكن السخرية منه، بينما تتصدر السلطة والتشاؤم والاستهلاكية حياتنا؟
ترى هوكس أن المشكلة لا تتعلق بندرة الحب في العلاقات الخاصة فحسب، بل بتحوّل ثقافي أوسع جعل التنافس والسيطرة والاستهلاك محركات أساسية للحياة، ولهذا تدعو إلى نقل الحب من المجال الخاص إلى المجال العام، بحيث تصبح أخلاقياته جزءاً من السياسة والتعليم والهياكل الاجتماعية.
الحب، في تصورها، ليس شعوراً رومانسياً ينتظر الإنسان أن يقع فيه، بل ممارسة تتطلب مسؤولية وتغييراً في طريقة التفكير والتصرف. ولا يمكن بناء ثقافة محبة ما دامت الرغبة في السيطرة تتقدم على الاعتراف بالآخر، وما دامت العلاقات تُعامل باعتبارها مجالاً للاستهلاك وتلبية الرغبات أكثر من كونها التزاماً متبادلاً.
ماغنوس فاستربرو.. تاريخ طويل لرغبة لا تتغيّر
يبدأ فاستربرو من افتراض مختلف: لا يمكن فهم الحب خارج التاريخ الذي تشكلت داخله أفكار البشر عن الزواج والجسد والرغبة والأسرة، وما يبدو لنا اليوم طبيعياً أو بديهياً لم يكن كذلك دائماً، فمعايير الحب تتغيّر، والمؤسسات التي تنظمه تدخل في مفاوضات مستمرة مع المجتمع، لكن الشوق الإنساني إلى الارتباط لا يختفي.
ولعلَّ العودة إلى الحب لا تبدأ بالبحث عن نصف مفقود، ولا باستعادة زمن ذهبي متخيّل، بل بمراجعة رغبتنا في السيطرة، وبناء علاقات تمنح الآخر مساحة ليكون مختلفاً، من دون أن يصبح اختلافه تهديداً لنا
يفكك الكتاب الصورة الشائعة عن الماضي بوصفه زمناً مظلماً خالياً من الحب، كانت فيه الزيجات مجرد أقفاص تفرضها العائلة أو السلطة، ففي بعض مراحل العصور الوسطى، كانت العفّة المطلقة تُعد نموذجاً مثالياً، وكان الزواج يُنظر إليه أحياناً باعتباره الخيار الأقل سوءاً بعد الحياة الرهبانية، لكن هذا لا يعني أن الناس لم يعرفوا الشهوة أو الحب أو الرغبة في اختيار الشريك.
ومن الشواهد اللافتة قطعة خشبية صغيرة عُثر عليها في شقوق أرضية كنيسة في بيرغن بالنرويج، تحمل رسالة زواج من رجل يدعى هافارد إلى امرأة تدعى غودني، يطلب منها التفكير في عرض زواجه وإخباره بما تريد. تبدو الرسالة تفصيلاً صغيراً، لكنها تفتح نافذة على بشر عاشوا قبل قرون، وكانت لهم آمالهم وتردداتهم ورغباتهم، مثلما لنا اليوم.
وتعود جذور الحب بوصفه تجربة روحية وفكرية إلى عصور أقدم من ذلك بكثير، ففي نصوص مصر القديمة، تظهر قلوب تخفق بشدة، وتكشف طقوس الموت نفسها عن رغبة في منح المتوفى أكبر قدر ممكن من الحياة المحبوبة. إن هذه الشواهد تذكّرنا بأن التجارب العاطفية لم تبدأ مع الرواية الرومانسية الحديثة، بل صاحبت الإنسان منذ زمن بعيد، وإن اختلفت اللغة التي عبّر بها عنها.
الصراع بين الجنسين.. من «ميديا» إلى زمن ما بعد «مي تو»
لا يتردد فاستربرو في وضع الجدل المعاصر حول العلاقات بين الرجال والنساء بجوار أمثلة من التاريخ القديم، فالغضب من النساء والتذمر من العلاقات ليسا ظاهرة جديدة، إذ نجد في مسرحية «ميديا» ليوريبيدس شخصية جيسون تتمنى لو أمكن إنجاب الأطفال من دون النساء، في شكوى تبدو، على نحو ساخر ومقلق، قريبة من بعض الخطابات العدائية المعاصرة تجاه النساء.
كما يقارن الكتاب بين تصاعد الخطابات المناهضة للنساء في أعقاب حركة «مي تو» وبين كتابات من العصور الوسطى هاجمت النساء واتهمتهن بالكذب والدناءة. لا يعني ذلك أن التاريخ يعيد نفسه بصورة آلية، بل إن أشكال الصراع تتبدل بينما تبقى بعض المخاوف والأحكام قادرة على الظهور مجدداً في سياقات مختلفة.
من هنا، لا يقدم «عصر الحب» تاريخاً لمشاعر الأفراد وحدها، وإنما يتتبع أيضاً علاقة الحب بموازين القوة والمؤسسات الاجتماعية وصور المرأة والرجل في المخيلة العامة.
هل انتهت الكوميديا الرومانسية؟
يبدو سؤال الحب اليوم أكثر إلحاحاً في ظل التشاؤم الذي يطبع كثيراً من النقاشات حول العلاقات، ففي السينما، تراجعت الثقة التقليدية بالنهاية الرومانسية السعيدة، وحلَّ محلها شعور بالوحدة وعدم اليقين. وقد وُصف فيلم «الماديون» بأنه أقرب إلى فيلم رعب مقنّع، بسبب نظرته التي تبدو عدمية إلى العلاقات، كأن الحب لم يعد ممكناً وأن كل فرد محكوم بوحدته.
وفي فيلم «المتدرب» للمخرج السويدي علي عباسي، تظهر صورة لدونالد ترامب الشاب وهو يتحرك في عالم يسيطر عليه الخوف من الضعف والهوس بالسلطة. ورغم أن الفيلم عمل تخييلي، فإنه يفتح سؤالاً عن العلاقة بين غياب الحب والرغبة في السيطرة، وعن الكيفية التي يمكن أن يتحوّل بها الخوف من الهشاشة إلى اندفاع نحو القوة.
هنا يلتقي الكتابان مرة أخرى، فما تنتقده هوكس بوصفه ثقافة للسلطة والاستهلاك، يجد لدى فاستربرو امتداداً تاريخياً يوضح أن الحب لم يكن يوماً منفصلاً عن شروط المجتمع وقيمه وصراعاته.
الحب ليس شعوراً فقط.. بل ممارسة
يتناول فاستربرو مفهوم «أغابي»، الذي يشير في التراث المسيحي إلى الحب غير المشروط والإيثار، ويرى فيه صلة بما تدعو إليه هوكس: حب يتجاوز الرغبة في الامتلاك، ويصبح استعداداً للاعتراف بالآخر والتصرف بمسؤولية تجاهه.
لا يدعو الكتابان إلى استعادة ماضٍ مثالي لم يوجد بهذه الصورة، ولا إلى اعتبار الحب حلاً سحرياً لكل مشكلات العالم. إنهما يضعانه في قلب سؤال أوسع: كيف نبني حياة اجتماعية لا تختزل الإنسان فيما يملكه أو يستهلكه أو يقدر على السيطرة عليه؟
في عصر الفردانية المتطرفة، وفي عالم يتزايد فيه الاعتماد على العلاقات الرقمية والرفقاء الاصطناعيين، تبدو الحاجة إلى الحب أكثر إلحاحاً، لكنها لا تصبح أسهل بالضرورة، فالوصول إلى الآخرين لم يكن يومًا بهذه السرعة، ومع ذلك لا تضمن الوسائل المتاحة القدرة على بناء علاقة حقيقية.
ربما تكمن قيمة الكتابين في أنهما يعيدان الحب من منطقة الأسطورة الرومانسية إلى مجال المسؤولية اليومية، فالحب، كما تقترح هوكس، ليس ما نشعر به فحسب، وإنما ما نفعله. وكما يوضح فاستربرو، فإن أشكاله ومعاييره ستظل تتغيّر مع الزمن، لكن حاجة الإنسان إلى الاعتراف والارتباط لن تختفي.
ولعلَّ العودة إلى الحب لا تبدأ بالبحث عن نصف مفقود، ولا باستعادة زمن ذهبي متخيّل، بل بمراجعة رغبتنا في السيطرة، وبناء علاقات تمنح الآخر مساحة ليكون مختلفاً، من دون أن يصبح اختلافه تهديداً لنا. تلك ليست مهمة سهلة، لكنها ربما أقل استحالة مما نعتقد حين نقرأ التاريخ بعين مفتوحة على ما يجمع البشر، لا على ما يفرقهم وحده.
