من السهل أن نستخدم عبارة «السينما التركية» كما لو أنها تشير إلى تيار فني واحد، أو إلى هوية جمالية متجانسة يمكن وضعها في تعريف مختصر. لكن تاريخ السينما في تركيا أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فهذه السينما نشأت داخل مجتمع متعدد التحوّلات، وعبرت مراحل سياسية وثقافية واقتصادية متناقضة، وتداخلت فيها الهوية المحلية مع التأثيرات الأوروبية والأميركية، كما دخلت في صراع طويل مع أسئلة الدين والعائلة والحداثة والسلطة والسوق، ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ليس: لماذا لا توجد سينما تركية؟ بل: أي سينما تركية نتحدث عنها أصلاً؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى تاريخ «يشيل تشام»، الاسم الذي ارتبط لعقود بالمشهد السينمائي التركي في إسطنبول، فقد أصبحت المنطقة التي تمركزت فيها شركات الإنتاج والتوزيع مركزاً لصناعة ضخمة أنتجت عدداً هائلاً من الأفلام، وشكلت جزءاً أساسياً من الذاكرة البصرية التركية. غير أن الطرح الذي ننطلق منه يرى أن تسمية تلك المرحلة بـ«السينما التركية» لا تعني بالضرورة أنها عبّرت، في رأي أصحاب هذا الطرح، عن هوية المجتمع بكل تعقيداتها، وخصوصاً عن البعد الديني والقيمي الذي ظل حاضراً في الحياة التركية.
صورة ليست واحدة
ويذهب هذا النقد إلى أن بعض الإنتاجات القديمة قدَّمت الشخصيات الدينية، ولا سيما شخصية الإمام، بصورة نمطية وسلبية، وأن السينما الشعبية في مراحل معينة استخدمت هذه الشخصية بوصفها أداة للسخرية أو الانتقاد الاجتماعي. غير أن هذه المسألة تحتاج إلى قراءة تتجاوز التعميم؛ فصورة الدين في السينما التركية لم تكن واحدة، كما لم تكن «يشيل تشام» تياراً أيديولوجياً موحَّداً. لقد ضمّت الصناعة أفلاماً شديدة التنوع، من الكوميديا الشعبية إلى الميلودراما والأفلام السياسية والاجتماعية، وتبدّلت علاقتها بالدين والمجتمع بتبدل الأزمنة والمخرجين والمؤسسات. لكن الانتقال من «يشيل تشام» إلى الدراما التلفزيونية المعاصرة يكشف سؤالاً آخر: ماذا حدث حين أصبحت المسلسلات التركية واحدة من أكثر المنتجات الثقافية انتشاراً في الداخل والخارج؟
إن النقاش حول الرقابة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: هل ينبغي منع هذا العمل أو ذاك؟ بل يجب أن يتوسّع إلى سؤال آخر: هل نحتاج إلى سياسات ثقافية تشجع إنتاج أعمال أكثر تنوعاً، بدل الاكتفاء برد الفعل على الأعمال المثيرة للجدل؟
يرى بعض النقّاد أن كثيراً من الأعمال التلفزيونية المعاصرة تميل إلى تكرار موضوعات مثل الخيانة الزوجية والعلاقات السرية، والصراع داخل الأسرة، والثروة السريعة، وأنماط الحياة المترفة، وأن هذا التكرار قد يؤدي، في نظر منتقديها، إلى تقديم نموذج اجتماعي لا يشبه القيم التي يريد جزء من المجتمع التركي الدفاع عنها، وتظهر هنا ملاحظة تستحق النقاش فعلاً: هل تعكس الدراما المجتمع، أم تعيد تشكيل الصورة التي يرى المجتمع نفسه من خلالها؟ فالدراما ليست مرآة محايدة بالضرورة. إنها تختار ما تراه، وما تخفيه، وما تضعه في مركز الحكاية، وعندما تتكرر موضوعات بعينها عشرات المرات، فإنها لا تصف فقط عالماً قائماً، وإنما تساهم أيضاً في تطبيع بعض السلوكيات والصور والخيارات بوصفها جزءاً من الحياة اليومية. لكن هذا لا يعني، بالضرورة، أن الجمهور يتلقّى هذه الصور بصورة سلبية أو إيجابية واحدة، فالمشاهد يستطيع أن يرفض العمل، أو يستهلكه لأسباب مختلفة، أو يقرأه بوصفه تسلية، أو يستخدمه للنقاش الاجتماعي، ومن هنا يصبح الجمهور شريكاً في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.
استدعاء العقاد كنموذج
المشكلة، إذن، أوسع من محتوى المسلسلات نفسها. إنها تتعلّق بالسؤال عمن يقرر ما الذي يصل إلى الشاشة، وكيف يُموَّل، ومن يراقبه، ومن يملكه، ومن يملك القدرة على إنتاج البديل؟
هنا تدخل مؤسسات الدولة والسوق الخاصة والقنوات والمنصات الرقمية وهيئات الرقابة إلى قلب النقاش، فتركيا تمتلك بنية إعلامية وصناعية واسعة، وتعمل فيها مؤسسات رسمية وتجارية متعددة، فيما تحولت المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة إلى جزء رئيسي من المشهد، ولهذا فإن النقاش حول الرقابة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: هل ينبغي منع هذا العمل أو ذاك؟ بل يجب أن يتوسّع إلى سؤال آخر: هل نحتاج إلى سياسات ثقافية تشجع إنتاج أعمال أكثر تنوعاً، بدل الاكتفاء برد الفعل على الأعمال المثيرة للجدل؟
هذه النقطة تقود إلى القضية الأكثر جوهرية: لماذا يصعب، في نظر أصحاب هذا الطرح، إنتاج أفلام ومسلسلات ذات قيمة فنية وفكرية تتعامل مع الدين والأسرة والتاريخ والإنسان من دون الوقوع في المباشرة أو الوعظ؟
ربما تكمن الإجابة في أن العمل الفني الذي يريد أن يكون جاداً لا يستطيع أن يتحوّل إلى منشور دعائي. السينما التي تحمل قيمة أخلاقية أو اجتماعية تحتاج إلى لغة فنية مقنعة أولاً، ويمكن لفيلم عن الأسرة أن يكون عميقاً من دون أن يكون وعظياً، ويمكن لعمل عن الدين أن يكون “محترماً” من دون أن يتحوّل إلى دعاية، ويمكن لفيلم تاريخي أن يحافظ على جذوره الثقافية من دون أن يختلق ماضياً مثالياً.
ومن هنا يصبح استدعاء أفلام مصطفى العقاد، مثل «الرسالة» و«عمر المختار»، مفهوماً بوصفه حنيناً إلى نموذج يرى فيه الكاتب قدرة السينما على الجمع بين القيمة الفنية والموضوع الثقافي والتاريخي الكبير، فالمسألة ليست استعادة ذلك النموذج حرفياً، وإنما التفكير في سبب ندرة المشاريع التي تحاول أن تصنع أفلاماً جماهيرية ذات طموح ثقافي وفكري في آن واحد.
ثمة مشكلة أخرى لا تقل أهمية: علاقة السينما بالهوية، فالهوية لا تُختزل في العِرق أو الدين أو اللغة، ولا يصح أن تُقاس بمظهر الممثلين أو أصول المنتجين كما توحي بعض العبارات التي تستخدمها الصحافة والاعلام. الهوية الثقافية أكثر تعقيداً من ذلك. إنها تتشكّل من التاريخ واللغة والذاكرة والعادات والمدينة والريف والدين والطبقة الاجتماعية، بل ومن الصراعات التي عرفها المجتمع نفسه، ولذلك لا يمكن الحكم على عمل بأنه «تركي» أو «غير تركي» اعتماداً على خلفية أفراد بعينهم، وإنما ينبغي النظر إلى اللغة التي ينتجها العمل، وإلى علاقته بالمجتمع الذي يخاطبه، وإلى الطريقة التي يعيد بها تفسير ذاكرته وأسئلته.
السينما ليست أداة للتلقين
ولعلَّ الدراما التاريخية مثال واضح على ذلك، فالاستناد إلى شخصيات وأحداث من الماضي لا يجعل العمل تاريخياً بالضرورة. قد يصبح التاريخ مجرد ديكور جذاب فوق قصة معاصرة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من هم أبطال المسلسل؟ بل: كيف يقرأ المسلسل التاريخ، وما الذي يختاره من الماضي، وما الذي يسقطه، ولأي غرض؟
وبالمثل، فإن الدفاع عن الأسرة لا ينبغي أن يعني تحويل الأسرة إلى صورة مثالية مصطنعة، فالفن قادر على مناقشة الخيانة والعنف والطلاق والصراع داخل العائلة دون أن يكون هدفه بالضرورة «هدم الأسرة». أحياناً يكون كشف أزمة الأسرة محاولة لفهمها، لا لهدمها، وهنا تكمن مسؤولية النقد أيضاً: ألا يخلط بين تمثيل المشكلة والترويج لها.
لكن ذلك لا يلغي حق المجتمع في السؤال عن نوع الصور التي تتكرر على شاشاته، وعن القيم التي تصبح أكثر حضوراً من غيرها، وفي هذه النقطة تحديداً تكتسب الملاحظة حول انخفاض معدلات الخصوبة وشيخوخة السكان أهمية اجتماعية، حتى لو كان الربط المباشر بين التحوّلات الديموغرافية وبين محتوى الدراما يحتاج إلى دليل أوسع من الانطباع وحده، فالأزمات الديموغرافية لا يصنعها التلفزيون وحده. إنها نتاج الاقتصاد والسكن وسوق العمل والتعليم والتحوّلات الاجتماعية وقرارات الأفراد وغيرها من العوامل.
ولهذا فإن الحديث عن مستقبل السينما التركية ينبغي أن ينتقل من لغة «الحرب» على الفن إلى لغة أكثر إنتاجية: كيف نبني صناعة قادرة على تقديم أفلام مختلفة؟ كيف نعطي الكتّاب والمخرجين والمنتجين مساحة لتجريب موضوعات جديدة؟ كيف نشجع مشاريع تتعامل مع التاريخ والدين والأسرة والمجتمع من دون شعارات جاهزة؟ وكيف نجعل الجمهور شريكاً في هذا التحوّل بدل أن ننظر إليه بوصفه المشكلة؟ ربما لا توجد «سينما تركية» واحدة، وهذا ليس عيباً بالضرورة.
قد يكون غنى السينما التركية في أنها تضم تيارات واتجاهات وأجيالاً ورؤى متناقضة، بعضها محافظ وبعضها حداثي، بعضها تجاري وبعضها فني، بعضها محلي شديد الالتصاق بالمكان وبعضها عالمي في لغته. المشكلة ليست في التعدد.
المشكلة تبدأ عندما تختفي القدرة على الحوار بين هذه التيارات، أو عندما يتحوّل السوق إلى معيار وحيد، أو عندما تصبح الرقابة بديلاً عن النقد، أو عندما تصبح الأيديولوجيا أقوى من الفن.
السينما، في النهاية، ليست مؤسسة لتلقين المجتمع ما ينبغي أن يفكر فيه، كما أنها ليست آلة لإفساده بالضرورة. إنها مساحة للصراع على معنى الإنسان، وعلى صورة المجتمع عن نفسه، وعلى الذاكرة التي يريد الاحتفاظ بها والمستقبل الذي يتخيّله، ومن هذه الزاوية ربما يكون السؤال الأكثر دقة، هو هل استطاعت السينما التركية أن تعثر بعد على صورتها الكاملة؟ الإجابة، على الأرجح، ليست موجودة في فيلم واحد ولا في مسلسل واحد. إنها موزّعة بين عشرات السنين، وآلاف الأفلام، والمدن، والمخرجين، والجمهور، والصراعات التي لم تنتهِ بعد، وهذا بالضبط ما يجعل السينما التركية جديرة بالبحث، لا بالحكم النهائي.
