أحياناً لا تكون مشكلة الروائي في الرواية التي كتبها، بل في العالم الذي لم يتعلّم كيف يدخل إليه. يكتب سنوات في منفاه الذي وصل إليه بزوارق متهالكة مع دزينات من الموتى-الأحياء. يراجع الجملة كأنها مسألة حياة أو موت، يطارد كلمة هنا وكلمة هناك، ويحذف فقرة كاملة لأن إيقاعها لم يعجبه، ثم يكتشف، بعد كل هذا العناء، أن هناك من يستطيع أن يصنع حول نفسه ضجيجاً في نفس المنفى الذي يتشاركانه كلٌ من موقعه يكفي لأن يصير اسمه أشهر من كتابه.
هذه الحكاية بدأت على نحو عادي في ” مونمارتر” حيث المقابر لاتتشح بالسواد كما في بلادنا الشرق-أوسطية. مترجمة فرنسية وافقت على ترجمة رواية ظافرة وجريئة إلى الفرنسية. مضت في العمل حتى أنجزت نحو خمس وعشرين صفحة، وتقاضت أتعابها من دار النشر، ثم توقفت فجأة. كانت هناك ذريعة جاهزة: سفر مؤقت إلى كولومبيا للعمل والاسترزاق، فالترجمة في بلادها لا تطعم خبزاً. لم يكن في الأمر، ظاهرياً، ما يدعو إلى الريبة. مترجمة تتوقّف اضطرارياً عن اكمال مشروع أدبي، ومسافرة تستكمل عملاً آخر يضمن لها عيشاً كريماً، والروائي لا يملك إلا أن ينتظر وهو يحدق في عتمة الفراغ الكامل. لكن الانتظار، في حياة الروائي، يشبه أحياناً فتح باب موصد بمغاليق كثيرة لا يُعرف ما الذي يستوي خلفه من مفاجآت، إذ اكتشف بعد فترة من الزمن أن المترجمة نفسها شرعت في ترجمة كتاب لصحفية كانت قد وفدت إلى حدائق مونمارتر الأم، وقدَّمت رواية شخصية عن أحداث دامية في الجنوب السوري، وتحديداً في السويداء. كانت الحكاية أكبر من مجرد كتاب. كانت الصحفية تقول إنها تسللت إلى المنطقة، وعاشت الخطر، وعادت حاملة شهادتها إلى العالم. غير أن السؤال الذي ظلّ يلاحق هذه الرواية كان بسيطاً وقاسياً في آن: أين الدليل؟ بل أين الصور التي قد تثبت شيئاً من هذه المزاعم؟!
ذباب الكتروني في المعركة
بحسب الرواية المتداولة في هذه الحكاية، لم تُقدَّم وثيقة واحدة تثبت ذلك السفر المزعوم، ثم ظهر الصحفي فاضل التلاوي ليطرح هذا السؤال على الملأ في الموقع الصحفي الذي يعمل فيه، فيتعرّض، بحسب ما يُروى، لحملة من الشتائم والهجوم الشرس من حسابات إلكترونية مدافعة عن الصحفية ومزاعمها، قبل أن يتراجع تحت ضغط ذلك الهجوم ويتكوّم على نفسه وهمومه، فالذباب الالكتروني هدده في لقمة عيشه، فصمت، وتراجع عن كتابته، بل وقدّم الاعتذارات للأم مونمارتر. هنا لا يعود الأمر متعلّقاً بكتاب، ولا بصحة رواية، ولا حتى بصحافة تحاول أن تقول الحقيقة. يصبح الأمر لعبة أخرى: من يستطيع أن يصنع الرواية الأقوى عن نفسه؟
اللافت هو أن الحكاية، سواء اتفقنا مع تفاصيلها أو اختلفنا، نجحت في شيء واحد نجاحاً باهراً: تحويل صاحبتها إلى شخصية لها قصة
الصحفية، وفق ما يُروى أيضاً في هذه القصة، كانت تبحث عن ذريعة للجوء السياسي في فرنسا، فظهرت حكاية أخرى عن اعتداء الشرطة عليها. بينما الرواية المقابلة تقول إن الأمر لم يتجاوز دفع شرطي لها أثناء تفريق مظاهرة، وأن خروجها من بلادها تمَّ بجواز سفرها، لا هرباً كما قد توحي الحكاية التي روتها لاحقاً. لكن اللافت في كل هذا ليس أن أحداً قال شيئاً مبالغاً فيه، أو أن واقعة ما تحتاج إلى وثيقة تثبتها. اللافت هو أن الحكاية، سواء اتفقنا مع تفاصيلها أو اختلفنا، نجحت في شيء واحد نجاحاً باهراً: تحويل صاحبتها إلى شخصية لها قصة، وهنا يجد الروائي المسكين نفسه عارياً أمام المرآة وجهاً لوجه هو الذي كتب رواية، لكنها لم تجد طريقها إلى أي مكان. وهي التي كتبت قصة عن نفسها، فوجدت القصة طريقها إلى الناس والجوائز والسفر من ندوة إلى ندوة أخرى. هو أنفق موهبته وأعصابه على بناء عالم من الورق، وهي أنفقت قدرتها على بناء صورة متخيّلة لنفسها في العالم. هو يعتقد أن الكتاب الجيد يجب أن يتحدّث نيابة عنه، بينما هي، أو هكذا تبدو الحكاية من زاويته، تعرف أن الكتاب لا يكفي، وأن على الكاتب أن يكتب أيضاً أسطورته الشخصية، وأن يعرف كيف يسوق ما يكتب.
فن التسويق
لذلك تبدو مسألة المترجمة مؤلمة أكثر مما ينبغي، فهي (المترجمة) التي بدأت ترجمة روايته توقفت عند الصفحات الخمس والعشرين، ثم واصلت ترجمة كتاب صحفية تعرف، بمهارة، كيف تحيط نفسها بهالة من المغامرة والاضطهاد والخطر. كأن “المونمارترية” لم تتخلَّ عن الترجمة، بل بدّلت فقط صاحب الحكاية. تركت الرجل الذي لديه رواية، وذهبت إلى المرأة التي لديها حكاية عن نفسها، وهنا تكمن المفارقة المريرة، فالموهوب قد يفشل في هذا الزمن لأنه يظن أن الموهبة وحدها تكفي. وقد يقضي عمره مختبئاً وراء كتابه، متوهماً أن جودة ما يكتب ستجد قارئها من تلقاء نفسها. في المقابل، قد ينجح آخر لأنه فهم مبكراً أن الناس لا يقرأون النص فقط. إنهم يقرأون الشخص الذي يقف خلف النص، ويحبون الهالة التي تحيط به، ويصدقون أحياناً القصة قبل أن يبحثوا عن الوثيقة.
في النهاية، ليست المأساة أن تترَك رواية بعد خمس وعشرين صفحة من ترجمتها. المأساة أن يكتشف الروائي، متأخراً، أن لديه رواية جيدة، لكنه لا يملك الحكاية التي تبيع هذه الرواية، وأن شخصاً أقل اكتراثاً بجماليات اللغة، وأقل موهبة منه، ولكنه أكثر براعة في هندسة صورته باسم “الليبرالية الفاضلة”، يستطيع أن يصل أبعد منه.
ربما لهذا كله لا يوجع الروائي أن تتوقف الترجمة بقدر ما يوجعه السؤال الذي بقي بعدها: لماذا نجح الآخر في تسويق قصته، بينما فشل هو في تسويق موهبته؟ وهذا سؤال لا يخص الأدب وحده: إنه سؤال هذا العصر كله.. هل يكفي أن تكون موهوباً؟ أم أن عليك، إلى جانب موهبتك، أن تعرف كيف تجعل هذا العالم يلتفت إليك، أقلّه كما فعلت، وتفعل هذه الصحافية الفارَّة من أوهامها إلى أوهام أكبر منها بكثير؟
