في العاصمة البلغارية صوفيا، حدث ذلك صيف عام 1991، كنتُ أجوب الطرقات محوّطاً بعدسة كاميرا “زينيت” السوفياتية الصنع، وباحثاً عن حكايات تحضرها الذاكرة لمادة التصوير الفوتوغرافي في المعهد العالي للسينما، باشراف المعلم رومن غيورغييف. كنا قد فرغنا للتو من تحويل حكاية أنطون تشيخوف “في صالون الحلاقة” إلى فيلم تلفزيوني قصير. حكايةٌ تنسج من السخرية الشفيفة أسئلة الوجود الإنساني.
أمام واجهة المعهد (ناتفيز)، وقف الفنان والمخرج العر اقي طارق هاشم في مقدمة الكادر، وفتح فمه في صرخة مسرحية دافئة لتتناغم مع أفواه الممثلين البلغار المفتوحة خلفه على ملصق العرض. لم تكن مجرد التقاطة عابرة، بل كانت لحظة تكثيف سينمائي تتجاوز حدود الجغرافيا والمكان، وتختزل في تفاصيلها طاقات تعبيرية جبّارة تنبض بالحياة والتمرد الفني الجميل.
تلك الأفواه المفتوحة لم تكن تصرخ، بل كانت تغني ربما أوبرا الحنين، أو ربما تعزف نشيد الشغف الأبدي للسينما والمسرح. لقد امتزج هنا الشاب الذي كانه طارق هاشم برفقة الجوقة البلغارية في حوار بصري حميم يسقط المسافات، وكأن الشارع البلغاري يتردد فيه أصداء حلاّق تشيخوف وشخوصه. هي لحظة جمّدتها العدسة السوفياتية الآفلة بعد حين لنستعيد عبرها طزاجة البدايات، ودفء الصداقة الفنية، وشهوة الخلق التي لم تنطفئ، لتظل الصورة شاهداً على زمنٍ كان فيه الفن صرخة حياة ملؤها الأمل.
