تخوض سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري معركة لا تقل شراسة عن الحرب. معركة الهوية والوعي المعرفي التي تتجلّى اليوم في كواليس قطاع التربية والتعليم، حيث يُذبح العقل النقدي على مذبح الأيديولوجيات المتشددة التي سارعت لتصدم المجتمع بحزمة تعديلات راديكالية طالت المناهج المدرسية. ورغم الشعارات البرّاقة المعنونة بـ “تطهير المنهاج من رواسب السلطة السابقة”، فإن واقع الحال يُظهر تجريفاً منظّم التنسيق للبنية التعددية والمدنية التي قام عليها الإرث التربوي الشامي. هذا الارتجاج المنهجي لم يمر بعفوية، بل فجَّر موجة تنديد عارمة وصرخات استغاثة أطلقها حقوقيون، معلّمون، وناشطون مدنيون، حذروا فيها من أن تسليم مقدرات الناشئة لتيّارات متطرّفة سيعيد إنتاج أدوات السيطرة الشمولية بقالب عقائدي مغلق، يحوّل المدارس من واحات استكشاف وتفكير طليعي إلى ثكنات للتلقين، وتفريغ المعرفة الإنسانية من مضامينها الحداثية وسلب الناشئة حقهم الأصيل في بناء وعي إنساني متوازن ومستقل.
إعادة هندسة التراث الأدبي والفكري
ينكشف هذا التراجع الميداني بمجرد التشريح الدقيق للمواد التربوية الأساسية، وفي مقدمتها كتب “التربية الوطنية والدراسات الاجتماعية”، التي شُطبت منها مفاهيم المواطنة الجامعة والروابط التعددية لصالح سرديات أحادية تلغي حقوق المكوّنات التاريخية للسوريين وتلغي استحقاقات الدولة المدنية. وتوازى هذا التجريف مع سياسة إعادة تشكيل المواد اللغوية والدينية وفق مجهر فقهي، حيث طالت المقصّات النصية كتب “اللغة العربية والتربية الإسلامية” لإلغاء التفسيرات المعاصرة، وتغييب المتون الشافية في التراث الإنساني. لقد شُطبت قصائد ونصوص شعرية ونثرية لأعلام الأدب والفكر بذريعة عدم موائمتها للمعايير العقائدية الطارئة، إلى جانب التخلّي عن المقاربات العلمية والبيولوجية كحذف المفاهيم الوراثية ونظريات التطور الدماغي، وحذف الإشارات إلى شخصيات تاريخية بارزة بتعلات واهية، لتستبدل تلك المحتويات بنصوص توجيهية تلقينية ترسخ الخضوع والغيبوبة الفكرية، مضحّية بمهارات التفكير العليا كالنقد والتحليل لصالح الحفظ الأعمى والامتثال.
إن حراسة العقل السوري من السقوط في أتون “الخرف الجماعي” الأيديولوجي هي القضية المركزية اليوم، فبدون مناهج قائمة على العقلانية، التنوّع، واحترام الجمال، ستبقى كل الانتصارات السياسية مهددة بالانهيار
طمس الذاكرة البصرية ومحاربة الجماليات الإنسانية
ولعلَّ المظهر الأكثر خطورة وارتباكاً في هذه الهجمة المنهجية ينعكس في الإجهاز التام على البعد الجمالي في كتب “التاريخ، الفنون، والعلوم الإنسانية”، حيث جرى تنقيح المحتوى البصري بطريقة قسرية تُفرّغ المدرسة من حمولتها الرمزية. لقد أُخضعت كتب الأطفال والناشئة لعمليات طمس بصرية ممنهجة تمثّلت في التغطية القسرية لأجساد النساء والأطفال عبر الرسوم التوضيحية، وإقحام صور نمطية للمرأة ضمن أدوار تقليدية دون غيرها، فضلاً عن حجب صور الآثار والمنحوتات واللوحات الفنية العالمية والمحلّية بدعوى حرمتها الشرعية. هذا العبث البصري أسفر عن اضطراب تنظيمي وفاضح داخل الصفحة الواحدة، كظهور المعلمة أو الطبيبة بهيئتين متناقضتين بين صفحة وأخرى، ما كشف عن عشوائية وارتجال اللجان المؤدلجة في فرض الوصاية الفكرية. إن محو الرسامين والعلماء والشخصيات المؤثرة من صفحات الكتب وتدجين الفن ليسا مجرد إجراءات شكلية، بل هما اغتيال ممنهج لخيال الطفل السوري وفصل قسري له عن عمقه الحضاري والتاريخي.
استحقاق المواطنة وسؤال المعركة الوطنية المقبلة
إن هذا الانحدار الكارثي يشير بوضوح إلى أن تحرير سوريا من ظلام الديكتاتورية لا يكتمل دون تحرير عقول أطفالها من ظلمات التشدد والإقصاء، فالتعليم ليس مضماراً للتجارب الأيديولوجية أو تصفية الحسابات السياسية، بل هو الرهان الوحيد لاستعادة السلم الأهلي وتأسيس المستقبل. إن تعالي أصوات التنديد بين النخب والثوار والفاعلين التربويين يضع المجتمع أمام استحقاق مصيري يتطلّب انتزاع الملف التعليمي من قبضة الهيئات الفئوية، وتشكيل مجلس أعلى للتربية يتألف من كفاءات ومؤسسات حقوقية ومجتمعية تخضع لمعايير الجودة الدولية وقيم حقوق الإنسان والإعلان الدستوري. إن حراسة العقل السوري من السقوط في أتون “الخرف الجماعي” الأيديولوجي هي القضية المركزية اليوم، فبدون مناهج قائمة على العقلانية، التنوّع، واحترام الجمال، ستبقى كل الانتصارات السياسية مهددة بالانهيار، وسيبقى جيل الغد رهينة لمنظومات بدائية تقتات على الخوف وتصادر المستقبل قبل أن يبدأ.
ظلال العتمة على دفاتر الجيل الجديد
لم تكن المدرسة السورية يوماً مجرد مبنى إسمنتي لتلقين الحروف، بل كانت الفسحة الأخيرة لتدريب الذاكرة الجمعية على التنوّع، ومختبراً هادئاً لاكتشاف الجمال، وتكوين الهوية الإنسانية المنفتحة على تاريخ المنطقة والعالم، بالرغم من كل محاولات تهميشها من قبل النظام السابق. غير أن لحظة التحوّل الكبرى التي تلت سقوط النظام الديكتاتوري، والتي انتظرها السوريون طويلاً لتكون بوابة العبور نحو دولة المواطنة والحرية، تبدو اليوم عرضة لاختطاف مبكر وخطير، فالتعديلات المتسارعة والمقلقة التي تطال المناهج الدراسية تحت يافطات التغيير وإعادة التأسيس، على أيدي بعض التيارات والجماعات تتسيّد المشهد الراهن، تنذر بكارثة ثقافية واجتماعية تهدد بتجريف ما تبقى من روح سوريا التعددية. إن الغضب العارم والتنديد المتصاعد الذي تعجّ به منصات النشطاء والشخصيات الوطنية والثقافية ليس تردداً عابراً، بل هو صرخة استباقية في وجه محاولات إعادة هندسة وعي أطفال السوريين بعيداً عن شروط الحداثة والعقلانية والتسامح، ووضع التعليم برمته في خدمة أيديولوجيا إقصائية لا تقبل الاختلاف ولا تعترف بحق الاختيار.
الدول لا تنهض من رماد الحروب والانهيارات عبر تسليم مقدراتها المعرفية لمن يعيشون في قطيعة تامة مع روح العصر ومعطيات الحداثة العلمية
هندسة الظلام: مقص الأيديولوجيا يغتال براءة المعرفة
أول ما يواجه المراقب لتلك التعديلات المنهجية المستجدة هو السطوة العمياء لمقص الأيديولوجيا التي تسعى لفرض رؤية ضيقة ومتحجّرة للكون والإنسان، فالكتب المدرسية التي يُفترض أن تكون مساحات رحبة لاقتباس العلوم، وتطوير التفكير النقدي، وتدريب العقول الغضّة على طرح الأسئلة، تتحوّل تدريجياً إلى أدوات للتدجين ومحاصرة الأسئلة الوجودية والفلسفية التي تصنع فضول الطفل. إن التيارات التي تتسلل اليوم إلى مفاصل القرار التعليمي لا تقدّم مشروعاً وطنياً جامعاً، بل تعيد إنتاج آليات السيطرة الفكرية ذاتها التي مارستها الديكتاتوريات طوال العقود الماضية، مع فارق جوهرية النبرة، فبدلاً من تمجيد الرمز الواحد، باتت المناهج تُحشر بنصوص ومفاهيم تلقينية تغلق الباب أمام التعدد الفكري والديني والثقافي الذي طالما تميّزت به بلاد الشام. حين يُحاصر التاريخ، ويُشوه الأدب، وتُفرغ العلوم الإنسانية من محتواها النقدي، فإننا لا نُعلّم أجيالنا شيئاً سوى الخوف من المختلف، والارتياب في الآخر، واعتبار التنوع خطراً داهماً بدلاً من كونه غنى إنسانياً لا غنى عنه. هذا التجريف المنهجي للوعي يمثل ضربة قاصمة لكل آمال التغيير الحقيقي، إذ يغتال براءة المعرفة ويستبدل الفضاء التعليمي المفتوح بغرف خنق فكري تفرز أجيالاً عاجزة عن الاشتباك الخلاّق مع أسئلة العصر.
تجريف التعددية الثقافية والدينية
إن خطورة العبث بالمناهج الدراسية لا تتوقف عند حدود تلقين العقائد الضيقة، بل تمتد لتطال الجوهر الأخلاقي والتاريخي لهوية المجتمع السوري المتعددة الجذور، فعلى مدى آلاف السنين، كانت أرض سوريا ممرّاً ومستقراً لحضارات وأديان وثقافات تلاقحت وتشابكت لتنسج نسيجاً فريداً من العيش المشترك، وهو النسيج الذي تعرّض لهزّات عنيفة خلال سنوات الحرب والتهجير والتعفيش والدمار. واليوم، يأتي العبث بالمحتوى التربوي ليوجّه طعنة ناجزة في قلب هذا الإرث، عبر محو الرموز الثقافية، وتهميش التاريخ المحلي لصالح سرديات أحادية اللون تسعى لإلغاء المكوّنات التاريخية الأخرى للمجتمع، وحين يرتفع صوت النشطاء والمثقفين منددين بهذا الانحدار، فإنهم يدركون تماماً أن استهداف المناهج هو استهداف مباشر لمستقبل العيش المشترك، فالطفل الذي ينشأ على كراهية المختلف وتهميش تاريخ جاره في الوطن، يتحوّل بفعل التلقين الممنهج إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي الهشّْ أصلاً. إن الذاكرة الوطنية الجماعية ليست ملكاً لفصيل أو جماعة تقرر ما يجب أن يُحفظ وما يجب أن يُطمس، بل هي ملك خالص لكل أبناء الجغرافيا السورية بكل أطيافهم، وتجريف هذه الذاكرة عبر دفاتر المدرسة يمهد الطريق لشرخ مجتمعي عميق يصعب رتقه، ويحوّل المدارس من مؤسسات لصناعة المواطنة إلى خنادق متقابلة للتحشيد الطائفي والفكري.
حراسة العقل السوري من السقوط الأخير
أمام هذا المشهد القاتم من التدهور المنهجي، تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق النخب الثقافية والتربوية والناشطين الوطنيين لوقف هذا التغوّل المدمّر على عقول الأجيال القادمة. إن الصمت على ما يدور اليوم في كواليس وزارة التربية وتحت لافتات “التطوير المزعوم” هو مشاركة صامتة في اغتيال مستقبل سوريا، فالدول لا تنهض من رماد الحروب والانهيارات عبر تسليم مقدراتها المعرفية لمن يعيشون في قطيعة تامة مع روح العصر ومعطيات الحداثة العلمية. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في إعادة إعمار الحجارة والمباني المدمرة، بل في حراسة العقل السوري من السقوط في أتون الظلامية والتخلّف. تتطلّب هذه اللحظة الحرجة توحيد الجهود الحقوقية والثقافية لتوثيق كل الانتهاكات والتشوهات المنهجية، والضغط الجاد والمستمر لإنشاء هيئات تربوية مستقلة وذات كفاءة عالية، تضم خبراء حقيقيين يؤمنون بأن التعليم حق إنساني مقدس يستند إلى معايير اليونسكو والعلم الحديث لا إلى الفتاوى والأيديولوجيات الحزبية أو الطائفية. طالما أن دفاتر التلاميذ مهددة بأن تحترق بنيران الجهل الممنهج، فإن حلم سوريا الحرَّة، المدنية، والمتنوّعة يظل في خطر داهم. وحده الوعي اليقظ والرفض الشعبي العارم لقوى الظلام يمكنهما حماية جيل الغد، وتأكيد أن أبناء سوريا يستحقون تعليماً يليق بتاريخهم العريق وتضحياتهم الجليلة.
