تستعد مدينة مالمو السويدية لاحتضان الدورة الرابعة من مهرجان السينما الفلسطينية في السويد، الذي تنطلق فعالياته في الفترة الممتدة من 30 أكتوبر/تشرين الأول وحتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في سينما «بانورا»، وسط اهتمام ثقافي وفني متزايد، ومشاركة سينمائية تتجاوز الحدود الجغرافية لتلتقي عند مساحة واحدة عنوانها السينما والحكاية الإنسانية.
ومع اقتراب موعد الافتتاح، تتواصل الاستعدادات لاستقبال ضيوف المهرجان من مخرجين وفنانين وصنّاع أفلام وأعضاء لجان التحكيم، إلى جانب الصحفيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن السينمائي. وتشكّل اللقاءات الأولى بين الضيوف مساحة للتعارف وتبادل التجارب، واستحضار الأسئلة التي تطرحها السينما الفلسطينية اليوم، في ظل تحوّلات سياسية وإنسانية وثقافية متسارعة، فالمهرجان ليس مجرد برنامج لعروض الأفلام، بل مناسبة تجمع أصحاب التجارب والرؤى المختلفة حول الفن ودوره في التعبير عن الإنسان والمجتمع والذاكرة.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة من حجم المشاركة السينمائية وتنوعها، إذ أعلنت إدارة المهرجان اختيار 22 فيلماً من أصل 73 عملاً وصلت إلى الدورة الحالية، قدّمها مخرجون وصنّاع أفلام من قرابة عشرين دولة، وتضم القائمة أعمالاً روائية ووثائقية، تعكس تعدد التجارب والأساليب والرؤى، وتمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى وجوه مختلفة من السينما الفلسطينية، وإلى الطريقة التي يقترب بها صانعو الأفلام من واقعهم وأسئلتهم وتفاصيل حياتهم.
ويفتتح المهرجان اليوم الجمعة بالفيلم الروائي «شكراً لأنك تحلم معنا» للمخرجة الفلسطينية ليلى عباس، في اختيار يضع الجمهور منذ اللحظة الأولى أمام تجربة سينمائية فلسطينية، ويفتح الباب أمام ثلاثة أيام من العروض والحوارات واللقاءات. كما تتضمن المسابقة الرسمية مجموعة من الأفلام التي تتناول موضوعات وتجارب متنوعة، من بينها «استثناء» لعزالدين شلّح، و«أثقل من الحياة» لمصطفى النبيه، و«بين عالمين» لإياد أبو روك، و«بو جبل» لبيسان عودة، إلى جانب أعمال أخرى لمخرجين فلسطينيين وعرب وأوروبيين.
ولا يبدو التنوع في هذه الدورة مجرد تعدد في أسماء الأفلام أو بلدان إنتاجها، بل هو جزء من رؤية تسعى إلى تقديم صورة أوسع عن التجربة الفلسطينية. فبحسب ما أعلنته إدارة المهرجان، لم يكن الهدف حصر السينما الفلسطينية في ثنائية الحرب والسياسة، وإنما إتاحة المجال أمام موضوعات الثقافة والحياة الاجتماعية والمقاومة المدنية، والتحديات التي يواجهها الفلسطينيون في أماكن مختلفة. وهذا التوجه يمنح الشاشة مساحة لتكون مرآة للحياة بكل تناقضاتها، وللإنسان الفلسطيني بما يحمله من أحلام وأسئلة وذاكرة وتطلعات.
وعلى مستوى التحكيم، أعلنت إدارة المهرجان تشكيل لجنتين متخصصتين لتقييم الأفلام الروائية والوثائقية، استناداً إلى معايير مهنية تراعي الخبرة والحياد والتنوع الجغرافي والتوازن بين الجنسين. وتضم لجنة تحكيم الأفلام الروائية أسماء من مصر والسويد والأردن وفلسطين والدنمارك، برئاسة مدير التصوير المصري كمال عبد العزيز، فيما تضم لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية شخصيات سينمائية وأكاديمية ونقدية من الأردن وبولندا والمغرب والعراق، برئاسة الدكتورة مارغو حداد.
ويعكس هذا التشكيل حرص إدارة المهرجان على الاستفادة من خبرات متعددة في قراءة الأعمال المشاركة وتقييمها، وإعطاء الأفلام حقها من المشاهدة والنقاش والحكم المهني. وقد أكد يحيى أبو وطفة، رئيس مهرجان السينما الفلسطينية في السويد، ثقته بأعضاء لجنتي التحكيم، موجهاً الشكر إليهم على قبول هذه المسؤولية وما يقدمونه من وقت وخبرة للمهرجان.
ولا تقتصر فعاليات الدورة الرابعة على عروض المسابقة الرسمية، إذ يتضمن البرنامج أعمالاً تُعرض خارج المسابقة، إلى جانب ندوات ولقاءات مفتوحة وورش عمل تجمع الجمهور بمخرجين وصنّاع أفلام وفنانين فلسطينيين وعرب. وتتيح هذه الفعاليات فرصة للحوار المباشر حول تجارب الإنتاج، واللغة السينمائية، والموضوعات التي تشغل السينما الفلسطينية، كما تمنح الجمهور مساحة للتفاعل مع أصحاب الأفلام بعيداً عن حدود قاعة العرض.
يفتتح المهرجان اليوم الجمعة بالفيلم الروائي «شكراً لأنك تحلم معنا» للمخرجة الفلسطينية ليلى عباس، في اختيار يضع الجمهور منذ اللحظة الأولى أمام تجربة سينمائية فلسطينية، ويفتح الباب أمام ثلاثة أيام من العروض والحوارات واللقاءات
وفي مدينة مثل مالمو، التي تتسم بتنوعها الثقافي والإنساني، تبرز أهمية هذا الحدث بوصفه جسراً للتواصل بين الثقافات، وفرصة لتعريف الجمهور السويدي والأوروبي على السينما الفلسطينية من خلال الفن، لا من خلال العناوين الإخبارية وحدها. فالفيلم يستطيع أن يقترب من تفاصيل الحياة اليومية، وأن يفتح نافذة على تجارب الناس ومشاعرهم وذاكرتهم، وأن يخلق حواراً بين مشاهدين قد تفصل بينهم الجغرافيا، لكن تجمعهم الأسئلة الإنسانية الكبرى.
كما تحمل إقامة المهرجان في السويد، وفي مالمو تحديداً، دلالة تتصل بحضور الثقافة الفلسطينية في فضاءات الشتات، وبقدرة الفنانين وصنّاع الأفلام على إيصال حكاياتهم إلى جمهور متعدد الخلفيات واللغات، فالشاشة هنا لا تنقل صورة فحسب، بل تتيح لقاءً بين روايات وتجارب مختلفة، وتمنح السينما دوراً في بناء المعرفة المتبادلة وتعزيز الحوار الثقافي.
وبين التحضيرات الأخيرة، ووصول الضيوف، واجتماعات لجان التحكيم، والاستعداد لاستقبال الجمهور، تقترب مالمو من موعدها السينمائي الفلسطيني. ثلاثة أيام تبدو قصيرة في زمن المهرجانات، لكنها تحمل برنامجاً غنياً بالأفلام واللقاءات والأسئلة، وتمنح السينما الفلسطينية مساحة جديدة لتروي حكاياتها بلغتها الخاصة.
من 30 أكتوبر إلى 1 نوفمبر، ستكون مالمو على موعد مع الصورة الفلسطينية؛ صورة لا تختصرها مأساة ولا تحدّها جغرافيا، بل تتسع للإنسان والحياة والذاكرة والحلم. فحين تنطفئ أضواء القاعة وتبدأ الصورة بالحركة، تبدأ الحكاية في الوصول إلى مشاهد جديد، وربما تفتح في داخله نافذة لم تكن موجودة من قبل.
