لا يبدأ معرض الفنان التركي جمال توي “الماء، الورق، الطلاء” من اللوحة بوصفها سطحاً مكتملاً، بل من المادة نفسها، من الورق قبل أن يتحوّل إلى لوحة، ومن الماء قبل أن يصير لوناً، ومن الأثر قبل أن يجد شكله النهائي. في معرضه الفردي الذي استضافه «بلاك لايت» في كاراكوي بإسطنبول مؤخراً، يقترح توي تجربة فنية تتعامل مع المادة لا باعتبارها وسيلة محايدة لحمل الصورة، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً من معناها وذاكرتها. فالورق هنا ليس خلفية، والماء ليس مجرد عنصر تقني، والطلاء ليس طبقة أخيرة تكتمل بها اللوحة؛ إنها ثلاث قوى تتفاعل معاً لتصنع العمل وتكشف في الوقت نفسه عن تاريخه الداخلي.
أرشيف متعدد الجغرافيا
على امتداد سنوات طويلة، بنى جمال توي علاقة خاصة مع المواد التي يستخدمها، من ورق البردي والورق الهندي والكتان إلى الأسطح المصنوعة يدوياً وقطع الكليم التركي، وتبدو هذه المواد في أعماله وكأنها تأتي محمّلة بذاكرة الأمكنة التي جاءت منها، فالورقة التي وصلت من ضفاف النيل ليست مجرد ورقة، والورق المصنوع من أشجار التوت في تركستان الشرقية لا يدخل اللوحة بوصفه خامة مجهولة المصدر، كما أن الأوراق الشفافة المصنوعة يدوياً في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا تحمل في ملمسها وأليافها أثر الصناعة والمكان والتقاليد التي أنتجتها، ولهذا يصبح جمع هذه الأوراق من بلدان مختلفة فعلاً يتجاوز الاقتناء. إنه أشبه ببناء أرشيف مادي متعدد الجغرافيا، ثم إعادة إدخاله في ذاكرة واحدة هي ذاكرة إسطنبول.
مدينة من أوراق عشرين دولة
يضع توي إسطنبول في قلب هذا المعرض، لكن المدينة لا تظهر بوصفها صورة جاهزة أو منظراً سياحياً مألوفاً. إنه يحاول استيعاب تعدد طبقاتها الثقافية، من فسيفساء بيزنطة إلى بنيتها الرمزية المتعددة، من خلال مواد لا تنتمي كلها إلى مكان واحد، وهنا تنشأ واحدة من أكثر مفارقات المعرض إثارة: مدينة واحدة تُبنى بصرياً من أوراق جاءت من أكثر من عشرين دولة، وأحياناً من نحو ثلاثين دولة بحسب تجربة الفنان، وبعدد كبير من الألوان المتباينة. تصبح إسطنبول بذلك ليست مركزاً مغلقاً، بل مدينة تُصنع من العبور والاختلاط والتراكم، تماماً كما تُصنع أعمال توي من طبقات المادة المختلفة.
لكن ما يهم في هذه التجربة ليس فقط اختلاف المصادر، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الفنان مع الورق نفسه، فهو لا يخفي خصائصه تحت الطلاء، بل يتيح للألياف والتجاعيد والشفافية والملمس أن تظل مرئية. الورق لا يختفي داخل الصورة، وإنما يحتفظ بحقّه في الحضور، ولعلَّ هذا أحد أسرار جمال أعماله: أنك لا ترى اللون وحده، بل ترى ما تحته أيضاً، وتشعر بأن اللوحة ليست سطحاً مسطحاً، وإنما تاريخ من الطبقات المتراكمة.
أثر الرحلة
يقول توي إنه يستخدم أوراقاً من بلدان مختلفة في عمله منذ سنوات، وإن ورق البردي خصوصاً دخل إلى تجربته منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بدأ بلصقه على أسطح اللوحات والرسم عليه. هذا الاستمرار الطويل يوضح أن المسألة ليست تقنية عابرة، بل مشروع فني متراكم يقوم على إعادة تعريف علاقة الرسام بمادته. إنه لا يختار الورق بعد اكتمال الفكرة، بل تبدأ الفكرة نفسها من الورق، من خصائصه ومقاومته وإمكاناته وما يحمله من ذاكرة.
ومن هنا يجيء عنوان المعرض “الماء، الورق، الطلاء” بوصفه أكثر من تسمية وصفية. هناك حركة واضحة بين العناصر الثلاثة: الماء يتحرّك، والورق يستقبل، والطلاء يترك أثره. لا يسيطر عنصر واحد بالكامل على الآخر، بل تنشأ اللوحة من هذا التفاعل. الماء يمنح اللون بدايته، والورق يمنحه مكاناً لكي يستقر، والطلاء يكشف عن النتيجة ويحتفظ بأثر الرحلة التي سبقت ظهوره على السطح، وفي هذا المعنى، يبدو العمل الفني عند توي وكأنه يسجل عملية حدوثه، لا نتيجتها فقط.
ويكتسب الماء عند الفنان دلالة تتجاوز وظيفته التقنية، فهو، كما يقول، بداية الحياة ومعناها، ومن هذه الفكرة ينفتح المعرض على بعد روحي واضح، خصوصاً في علاقته بالتصوف، فالطلاء لا يقوم بمهمة تزيين السطح فقط، وإنما يحمل في نظره دلالات أعمق مرتبطة بفعل التلوين والرسم وبما يمكن أن يرمز إليه اللون حين يتحوّل إلى تجربة داخلية، ولذلك فإن الماء والورق والطلاء لا تعمل في أعماله كعناصر فيزيائية فحسب، بل كعناصر في عملية تأملية يتجاور فيها المادي والروحي.
الأصالة والمعاصرة
وفي جانب آخر من تجربته، يعيد جمال توي تفسير تقنية “المرقعة” التي كانت شائعة في العهد العثماني، ويقترب منها من خلال فهم معاصر للكولاج، لكنه لا يستنسخ التقنية القديمة، بل يعيد قراءتها وفق طبيعة الفن المعاصر، عبر الجمع بين أوراق مختلفة ولصقها وتشكيلها ثم الرسم فوقها، وهكذا تتحوّل الحرفة التقليدية إلى نقطة انطلاق، لا إلى قيد، ويصبح الماضي مادة لإعادة الاختراع بدل أن يكون نموذجاً يجب تقليده.
إن هذا المزج بين الأصالة والمعاصرة يبدو في صميم تجربة توي، فالمادة التقليدية لا تدخل أعماله لكي تمنحها مظهراً تراثياً، بل لكي تمنحها ذاكرة. والكولاج لا يتحوّل إلى لعبة بصرية من قطع منفصلة، وإنما إلى تركيب لطبقات زمنية وثقافية متعددة. كل ورقة تأتي بحكاية مختلفة، وكل ملمس يضيف طبقة جديدة إلى المكان الذي تحاول اللوحة أن تبنيه.
وهذا ما يجعل “الماء، الورق، الطلاء” معرضاً يتجاوز المشاهدة السريعة. فالأعمال لا تطلب من المتلقي أن يرى الصورة فقط، بل أن يقترب من مادتها، وأن يلاحظ ما تخفيه وتظهره في الوقت نفسه. هناك شيء من علم الآثار في هذه الطريقة، طبقة فوق طبقة، وكل كشف يقود إلى أثر آخر. اللوحة تصبح أشبه بموقع تتراكم فيه الأزمنة بدل أن تُمحى.
كيف يصبح الماء بداية؟
وُلد جمال توي في كوتاهيا عام 1969، وبدأ مسيرته الفنية الاحترافية عام 1986 في مرسم الفنان إلهامي أتالاي، حيث عمل مساعداً له لنحو عقد من الزمن قبل أن يلتحق بالأكاديمية. وفي عام 1991 تخرّج من قسم الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة معمار سنان، وقد ظلَّ، منذ بداياته، منشغلاً بمفاهيم الزمن والأبدية والإنسانية والحضارة، محاولاً تقديم التراث بروح معاصرة، ويبدو أن علاقته بالمواد في هذا المعرض امتداد طبيعي لهذا الانشغال، فالمادة نفسها ليست خارج الزمن، بل تحمل الزمن داخلها.
ولعل حضور إلهامي أتالاي في افتتاح المعرض يضيف إلى هذه السيرة بعداً إنسانياً جميلاً، فالفن هنا يبدو أيضاً سلسلة من العلاقات التي تنتقل من معلم إلى تلميذ، ومن تجربة إلى أخرى، ومن حرفة إلى لغة جديدة. وتوي الذي يواصل أيضاً تقديم دروس فنية احترافية لمجموعات من مختلف الأعمار في ورشته، ينظر إلى أعماله باعتبارها، بمعنى ما، دروساً في الفن والطبيعة معاً.
وهذه النقطة تحديداً تمنح المعرض بعداً إضافياً. فـ”الماء، الورق، الطلاء” لا يتحدث عن المادة فقط، بل يجعل المادة نفسها موضوعاً للتعلّم. كيف يصبح الماء بداية؟ كيف يتذكر الورق المكان الذي جاء منه؟ كيف يترك الطلاء أثره من دون أن يمحو ما تحته؟ وكيف يمكن لقطعة ورق أن تحمل جغرافيا كاملة إلى مدينة أخرى؟
في أعمال جمال توي، تبدو اللوحة جواباً بصرياً عن هذه الأسئلة، لكنها لا تقدم إجابات مغلقة. إنها تتيح للمادة أن تتكلّم، وللماء أن يترك أثره، وللورق أن يحتفظ بذاكرته، وللطّلاء أن يضيف طبقة جديدة إلى حكاية لم تبدأ معه ولن تنتهي عنده.
لهذا يمكن النظر إلى “الماء، الورق، الطلاء” باعتباره معرضاً عن ذاكرة المادة بقدر ما هو معرض عن إسطنبول، فهذه المدينة، بكل تاريخها وتعددها الثقافي، لا تُعرض هنا في شكل صورة، وإنما في شكل طبقات: أوراق بعيدة، تقنيات قديمة، ألوان معاصرة، ومادة تتغيّر تحت الماء والطلاء ثم تحتفظ بشيء من ماضيها.
وربما هنا تحديداً تكمن خصوصية جمال توي: إنه لا يريد من المادة أن تختفي لكي ينتصر الرسم، بل يريد للرسم أن يكشف المادة أكثر. لا يريد أن يفرض على الورق ذاكرة جديدة تلغي ذاكرته القديمة، بل أن يجعل الذاكرتين تتجاوران، ومن هذا التعايش تولد اللوحة، لا بوصفها نهاية العملية، وإنما بوصفها أثراً لرحلة طويلة بين الماء والورق واللون.
إنها، في النهاية، تجربة تقول إن الفن لا يبدأ دائماً من الصورة، بل قد يبدأ من شيء أكثر تواضعاً: ورقة، ماء، ويد تعرف أن تترك أثراً دون أن تمحو آثار الآخرين.
