كتاب “العالم والنص والناقد” للمفكر الفلسطيني والعالمي إدوارد سعيد مفيد جداً لعمل نقّاد الفن التشكيلي، بالرغم من أن الكتاب موجّه أساساً إلى النقد الأدبي والنظرية النقدية لا إلى الفن التشكيلي مباشرة. الكتاب منشغل في النقد الأدبي والثقافي وهو نوع من الدراسات الثقافية، والقيمة بالنسبة للفن التشكيلي تأتي من إمكان نقل مفاهيم سعيد من النص إلى العمل البصري. وهذا النقل يجب أن نميّزه عن كلام سعيد نفسه. وأهم ما يمكن نقله من الكتاب حول كيفية قراءة اللوحة (النص) هو مفهوم سعيد عن “دنيوية” العمل الأدبي والفني عموماً: أي أن العمل الفني لا يمكن أن يعيش معزولاً عن التاريخ والمجتمع والسلطة والظروف التي أنتجته وتلقّته.
وجوه وأقنعة (د. تيسير المشارقة)
كتاب إدوارد سعيد صدر أصلاً بالإنجليزية سنة 1983، وترجم إلى العربية، ومن ترجمة محمد عصفور. ومن الأفكار التي تناولت الفن التشكيلي وتصلح للناقد الفني، ما كتبه سعيد عن العمل الفني بأنه ليس (منفصلاً عن العالم) . هذا التعبير من أهم الأفكار التي يمكن الإفادة منها، وهو أن النصوص، حتى في أكثر صورها تجريداً، تظل مرتبطة بـ(الزمان والمكان والمجتمع والظروف التاريخية التي انتجتها). ويصف سعيد هذه الصلة بأنها جزء أساسي من قدرة العمل على إنتاج المعنى. والنقد الفني في الأصل هو “البحث عن المعنى”.
الناقد يحتاج إلى مسافة نقدية من الأنظمة النقدية والعقائد السائدة، وأن يكون منفتحاً على التاريخ والقيم الاجتماعية والإنسانية وتنوع التجارب البشرية
وهذا يمكن تطبيقه مباشرة على اللوحة، فاللوحة ليست شكلاً بصرياً مغلقاً، وإنما كيانٌ يتصل بعالمها التاريخي والاجتماعي والثقافي. وهذه الفكرة مهمة جداً عند قراءة “الوجوه والأقنعة” في الفن التشكيلي، لأن الوجه والقناع عند بعض الفنانين يمكن ألا يُقرأا باعتبارهما شكليْن فقط، بل باعتبارهما علامات مرتبطة بالهوية والذات والآخر والواقع الاجتماعي. وانتقد إدوارد سعيد عملية عزل العمل الفني عن العالم. كما عارض سعيد النقد الذي يُخضع العمل الفني لنظرية جاهزة، بحيث تصبح النظرية أهم من العمل نفسه، فهو يرى أن بعض المدارس النقدية جعلت الأعمال تستجيب لمتطلبات النظرية، وأهملت العلاقات المعقدة التي تربط العمل الفني بالعالم، وهذه نقطة قوية جداً في النقد التشكيلي العربي: ألا نقول مثلاً إن اللوحة “تعبيرية” أو “تجريدية” ثم نكتفي بوضعها داخل تصنيف مسبق، بل نسأل: ماذا تقول اللوحة؟ لماذا اتخذت هذا الشكل؟ ما علاقتها بزمانها ومجتمعها وتجربة الفنان والمتلقي؟
ويحذرنا إدوارد سعيد من أن الناقد لا ينبغي أن يكون أسيراً للنظرية. ومن الأفكار المركزية أيضاً عند سعيد، أن الناقد يحتاج إلى مسافة نقدية من الأنظمة النقدية والعقائد السائدة، وأن يكون منفتحاً على التاريخ والقيم الاجتماعية والإنسانية وتنوع التجارب البشرية، وهذا الأمر يصلح جداً لتأسيس موقف الناقد من إشكالية التلقي: فالمتلقي لا يأتي إلى اللوحة بعين “محايدة”، وإنما يحمل معه ثقافته وذاكرته وخبرته وموقعه الاجتماعي، والأهم بالنسبة لنا كنقّاد فن تشكيلي أن هناك عبارة من الكتاب شديدة الأهمية بالنسبة للناقد، لأنها يمكن أن تصبح مدخلاً نظرياً لقراءة “الوجوه والأقنعة”: النصوص لها طرائق في الوجود تجعلها، حتى في أكثر أشكالها تجريداً، منخرطة دائماً في الظروف والزمان والمكان والمجتمع. باختصار، إنها في العالم، ومن ثم فهي دنيوية”. ويمكن أن نحوّل هذه الفكرة من النص الأدبي إلى العمل التشكيلي، مع التنبيه إلى أنها إعادة صياغة تطبيقية لفكر سعيد وليست اقتباساً حرفياً منه: “العمل التشكيلي، حتى حين يبدو تجريدياً أو مكتفياً بذاته، يظل منخرطاً في العالم، في زمانه ومكانه وثقافته وشروط إنتاجه وتلقيه”. كما أن سعيد يطرح فكرة قريبة جداً من دور النقد نفسه، إذ يرى هذا المفكر أن النقد الفني والأدبي ينبغي ألا يكتفي بالتخصص الأكاديمي المنعزل عن القضايا التي تشغل العالم.