في عام ٢٠١٣ لجأت مع عائلتي إلى مدينة صيدا اللبنانية الساحلية، بعد اشتداد أوار الحرب في سوريا، وقد نال منها مخيم اليرموك النصيب الأكبر من التدمير والتهجير والتعفيش. من مكان سكناي كنت أرقب بعيون حذرة هجرة أولادي أولاً، فنحن في المضائق نحاول التعلّم منهم، وكنت أتابع مصائرهم وقوفاً كما في الصورة الملتقطة لي تحت درج عقيد متقاعد في الجيش اللبناني حيث أقمت فيه مع صديقي فجر يعقوب ردحاً من الوقت، بعد أن انتقلت زوجتي للعمل في مدينة صور. كان المكان الذي لا تتعدّى مساحته مترين مربعين قد أضحى بالنسبة لنا مثل بلاتوه” سينمائي مصغر لتحديث واجبات “المنفى” القسرية، حتى أننا أطلقنا عليه في ليالينا الصيداوية الثقيلة اسم “الفيلا”، ذلك أن مقهى أم كلثوم الذي افتتح حديثاً لم يكن يبعد عنه سوى بضعة أمتار.
بعد أشهر هاجر أولادي إلى أوروبا، وعملت أنا في هذه الأثناء مدرّساً لمادة الفلسفة لأبناء اللاجئين الفلسطينيين في مجمّع الكنائس الثقافي، ثم غادرت مع زوجتي إلى فرنسا في 2014. كان المنفى المتجدد في “فيلا” صيدا، بمثابة لقطة وقوف لا يمكن الفكاك منها بسهولة طالما أن النفي نفسه يتجدد في حياتنا كل دقيقة. إنها تلك اللقطة التي لا تفارقني: أستاذ فلسفة يعيش تحت درج متهالك، وكأن المنفى نفسه يطلع من حروف الفناء فقط!
