ثمة أماكن لا يغادرها الإنسان حين يغادرها، لأنها لا تستقر في الجغرافيا بقدر ما تستقر في العين. وموريك، القرية الصغيرة التي وُلد فيها عبد الكريم مجدل البيك عام 1973 ونشأ في محيطها، تبدو في تجربته أكثر من مكان طفولي عابر. إنها المخزون البصري الأول الذي ظلَّ يتسرّب إلى أعماله عبر الجدار، والتشقق، والأثر، وما يتركه الزمن على المادة، وقد أشار الفنان نفسه إلى صلة الجدران المتصدّعة في أعماله بجدران موريك التي عرفها منذ طفولته.
لهذا يصعب النظر إلى الجدار عند البيك بوصفه موضوعاً بالمعنى التقليدي، فهو لا يُرسم بقدر ما يُستعاد كحالة وجودية ومادية، ليس خلفية للصورة، بل جسدها، وليس إطاراً للذاكرة، بل ذاكرتها المادية. ومن هنا تبدو موريك حاضرة في التجربة حتى حين تختفي ملامحها الطوبوغرافية، فالقرية لا تعود بوصفها منظراً يمكن التعرّف إليه، وإنما بوصفها بنية حسّية كامنة في المادة. إن البيك لا يرسم الذاكرة بقدر ما يرسم كيفية عملها. ذاكرته ليست صورة مكتملة، بل طبقات فوق طبقات. شيء يظهر ثم ينمحي، وأثر يتقدّم ثم يتراجع، وكتابة تمحو كتابة، وسطح يستعيد ما ظُنّ أنه اختفى. بهذا المعنى يصبح الجدار أقرب إلى الطِّرْس، السطح الذي كُتبت عليه نصوص متعددة، ثم مُحيت جزئياً، لكنها لم تختف تماماً.

بقاء الأثر بعد غياب صاحبه
ومن هنا تكتسب حكاية الطفولة المرتبطة بموريك دلالتها النقدية، فالعلامة التي كان الأطفال يحفرونها على الجدران، مربعاً يتوسطه شكل X، تبدو في ظاهرها لعبة عابرة، لكنها يمكن أن تُقرأ اليوم كنوع من الاكتشاف المبكر لقوة الأثر. أن تترك علامة يعني أن تقول للمكان: «كنت هنا»، وما كان فعلاً طفولياً عفوياً سيصبح، في التجربة اللاحقة، سؤالاً تشكيلياً عن بقاء الأثر بعد غياب صاحبه. هنا تبدأ المسافة بين السيرة والفن في التضاؤل، فموريك لا تفسر أعمال البيك بقدر ما تكشف مصدر حساسيتها.
لم يعد المكان عنده شيئاً ينبغي تمثيله، بل شيئاً ينبغي استحضاره مادياً. لذلك جاء التحوّل من الصورة إلى الجدار بوصفه انتقالاً من تمثيل المكان إلى إنتاجه من جديد. الجص، والرمل، والقش، والفحم، والخدوش والتشققات ليست وسائل تقنية لتقليد جدار قديم، وإنما تتحوّل إلى مفردات دلالية تحمل الزمن داخلها. المادة هنا لا تخدم المعنى. إنها جزء منه.
وهذا ما يمنح أعمال البيك توترها الخاص: سطح لا يريد أن يكون ناعماً أو مكتملاً، ولوحة تتخلى عن الوهم التقليدي للصورة كي تقترح علينا شيئاً أقرب إلى الحفر في الذاكرة. نحن لا “نرى” الماضي في هذه الأعمال، بل نرى أثر الماضي في الحاضر، من هذه النقطة يمكن فهم الجدار بوصفه أرشيفاً بديلاً، فالجدران تحفظ ما لا تحفظه المؤسسات: تفاصيل الحياة اليومية، والعلامات العابرة، وآثار الأيدي الغائبة، وذاكرة أماكن لا تدخل عادةً في السرد الرسمي. إنها وثيقة بلا مؤسسة، وذاكرة بلا أرشيف، وشهادة لا تتحدث، بل تبقى.

ضرورة دلالية
وحين تدخل آثار الحرب والرصاص والأسلحة والأقمشة العسكرية إلى أعمال البيك، لا يبدو ذلك قطيعة مع عالم الجدار الأول، بل امتداداً لمنطقه، فالحرب لا تظهر كمشهد يحتاج إلى تمثيل، وإنما كـأثر مادي. الرصاصة ليست رمزاً للحرب فحسب، إنها شيء جاء من عالم العنف ودخل العمل حاملاً شيئاً من مادته وتاريخه. بذلك ينتقل الفنان من الحديث عن العنف إلى جعل العنف نفسه طبقة في سطح العمل. غير أن هذه القوة المادية تطرح في الوقت نفسه سؤالاً نقدياً لا يمكن تجاهله: متى يبقى الأثر ضرورة دلالية، ومتى يتحوّل إلى أسلوب؟ متى تكون التشققات ندوباً للذاكرة، ومتى تصبح مجرد جماليات للندبة؟
وربما لهذا لا تبدو جدران البيك كأنها تنظر إلينا، بل كأنها تنظر إلى ما مرّ بنا. إنها لا تقول لنا ما حدث. إنها تجعلنا نشعر بأن شيئاً ما حدث هنا، وفي هذا الفارق تحديداً تكمن شاعريتها وقسوتها معاً
إن قوة تجربة البيك، في أفضل لحظاتها، تكمن في إبقاء هذا السؤال مفتوحاً، فالجدار لا يصبح مجرد “علامة أسلوبية” لأن قيمته تتجاوز مظهره. إنه يحمل توتراً بين الحضور والغياب، وبين المكان الذي كان والمكان الذي صار، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي. وهنا تستعيد موريك موقعها الحقيقي: ليست خلفية لسيرة الفنان، ولا حكاية طفولة تفسر اختياراته، بل البنية التحتية الخفية لرؤيته. لقد غادر الفنان القرية، لكنه لم يغادر جدارها. حمله معه وأعاد بناءه داخل العمل بوصفه ذاكرة ومادة وأثراً. لهذا تبدو تجربة عبد الكريم مجدل البيك، في جوهرها، بحثاً عن «الجدار الأول»، ذلك الجدار الذي سبق اللوحة، وسبق الوعي التشكيلي، وسبق اللغة. جدار الطفولة الذي لم يكن فناً، لكنه صار لاحقاً أصل السؤال الفني.
جدران تنظر إلينا
موريك، إذن، ليست موضوعاً في أعمال البيك. إنها المكان الذي تعلّم فيه الجدار أن يكون ذاكرة. ومن هناك، من ذلك الجدار البعيد، تبدأ كل الجدران الأخرى: جدران المدينة، جدران الحرب، جدران الفقد، والجدران التي لم تعد تفصل بين داخل وخارج، بل صارت أجساداً تحمل ما عجزت الذاكرة عن قوله. وربما لهذا لا تبدو جدران البيك كأنها تنظر إلينا، بل كأنها تنظر إلى ما مرّ بنا. إنها لا تقول لنا ما حدث. إنها تجعلنا نشعر بأن شيئاً ما حدث هنا، وفي هذا الفارق تحديداً تكمن شاعريتها وقسوتها معاً: أن يتحوّل المكان إلى أثر، والأثر إلى ذاكرة، والذاكرة إلى جدار ما زال يكتب.
