في بحر إيجه، لا تحتاج رحلة الهجرة إلى أوروبا إلى مسافات هائلة كي تصبح محفوفة بالمخاطر. أحياناً تكفي جزيرة صغيرة، وقارب صغير، ومسافة قصيرة تفصل الساحل التركي عن إحدى الجزر اليونانية، حتى يجد عشرات الأشخاص أنفسهم في قلب رحلة لا يعرفون كيف ستنتهي. وهذا ما حدث مجدداً في جزيرة فارماكونيسي الصغيرة، حيث عثرت السلطات اليونانية أواخر سبتمبر-أيلول المنصرم على 41 مهاجراً بعد وصولهم من السواحل التركية على متن قارب صغير. وبين أفراد المجموعة 23 رجلاً و8 نساء و10 قاصرين، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر طرق الهجرة البحرية حساسية في شرق البحر المتوسط.
تحقيقات أولية
وبحسب خفر السواحل اليوناني، أُبلغت سلطة ليروس بوجود مهاجرين على الجزيرة، فبدأت فرق من القوات الخاصة التابعة لخفر السواحل عمليات بحث على اليابسة، وتمكنت من العثور على المجموعة. بعدها نُقل الأشخاص الـ 41 على متن زورقين دوريين إلى ميناء لاكي في جزيرة ليروس القريبة. ونقلت سيارة إسعاف اثنين منهم إلى مركز ليروس الصحي لتلقي العلاج، ثم غادر أحدهما المركز، بينما ظلَّ الآخر تحت الرعاية الطبية. وبعد ذلك أُدخل 40 شخصاً إلى مركز الاستقبال والرقابة المغلق في ليروس، فيما باشرت سلطة الميناء التحقيق الأولي في ملابسات الرحلة.
ولم تعلن السلطات اليونانية جنسيات أفراد المجموعة حتى الآن، كما لم تُنشر تفاصيل أوسع عن مكان انطلاقهم الدقيق في تركيا أو هوية الجهة التي نظّمت الرحلة، لكن التقارير الإعلامية اليونانية تشير إلى أن أفراد المجموعة دفعوا لمهربي بشر مقابل نقلهم بقارب صغير من الساحل التركي.
لا نعرف من أين جاء هؤلاء الأشخاص، ولا لماذا غادروا، ولا ماذا دفعوا للمهرّبين، ولا ما الذي ينتظرهم في الأيام المقبلة. ما نعرفه فقط أن طريق بحر إيجه لم يغلق. لقد تغيّر، والمسارات قد تتبدّل، والقوارب قد تتغيّر، والجزر التي يظهر فيها المهاجرون قد تتغيّر، لكن البحر نفسه يبقى شاهداً على حقيقة أكثر صعوبة من الأرقام
قد يبدو المشهد، للوهلة الأولى، حادثاً حدودياً صغيراً وسط بحر واسع، لكنه في الحقيقة يعكس شيئاً أكبر بكثير من مجرد وصول 41 شخصاً إلى جزيرة. ففارماكونيسي تقع ضمن جزر الدوديكانيز الخاضعة إدارياً لليروس، وهي جزيرة صغيرة في شرق إيجه وعلى مقربة من الساحل التركي، ما يجعلها واحدة من النقاط التي تختبر عندها الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي معناها الحقيقي: حدّْ جغرافي يبدو ضيقاً على الخريطة، لكنه بالنسبة إلى شخص يحاول عبوره قد يمثل انتقالاً كاملاً من عالم إلى آخر.
الساحل التركي نقطة أنطلاق
وتأتي هذه الواقعة في وقت تغيّرت فيه خريطة الهجرة إلى اليونان نفسها، فبحلول نهاية أغسطس/آب، كانت التقارير تتحدث عن وصول أكثر من 23 ألف مهاجر إلى اليونان منذ بداية العام، مع توجه أكثر من نصفهم إلى جزيرة كريت عبر المسار البحري القادم من شمال أفريقيا، فيما كانت أعداد الواصلين من تركيا إلى شرق إيجه أقل بكثير؛ إذ لم تتجاوز أعداد الواصلين إلى ليروس في ذلك الوقت نحو مئة شخص. وبحلول نهاية سبتمبر-أيلول، ارتفع إجمالي الواصلين إلى اليونان إلى أكثر من 28 ألف شخص وفق التقارير المنشورة آنذاك، مع بقاء المسار القادم من شرق ليبيا باتجاه كريت المسار الأبرز.
هذا التحوّل مهم لفهم حادثة فارماكونيسي. فطريق تركيا ـ شرق إيجه لم يعد، بحسب الأرقام المتاحة في الأشهر الأخيرة، المسار الرئيسي للهجرة إلى اليونان كما كان في مراحل سابقة، لكن تراجعه لا يعني اختفاءه. ما حدث في فارماكونيسي يثبت أن الساحل التركي لا يزال نقطة انطلاق نشطة لبعض الرحلات، خصوصاً عندما تكون المسافة البحرية قصيرة نسبياً مقارنة بطرق أخرى، وحين يراهن المهربون على قوارب صغيرة وعلى الوصول إلى جزر قريبة من الحدود الأوروبية، لكن قِصر المسافة لا يعني بالضرورة أن الرحلة آمنة.
القوارب المستخدمة في مثل هذه الرحلات غالباً ما تكون صغيرة، وقد تُحمّل بأعداد كبيرة مقارنة بقدرتها، بينما يعتمد مسار العبور على حالة الطقس والبحر، وعلى قدرة القارب على الوصول إلى الشاطئ أو الجزيرة قبل اكتشافه. وفي هذا النوع من الرحلات، لا يكون الخطر مرتبطاً فقط بالبحر، بل أيضاً بشبكات التهريب التي تتعامل مع حركة البشر باعتبارها تجارة مربحة في بيئة يغيب فيها الأمان القانوني. والمفارقة أن أفراد المجموعة في فارماكونيسي لم يقطعوا مئات الأميال عبر البحر المتوسط، بل عبروا مسافة أقصر بكثير للوصول إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك وجدوا أنفسهم بعد الوصول بحاجة إلى نقل بحري آخر، ثم إلى الرعاية الطبية، ثم إلى مركز استقبال مغلق، فيما بدأت السلطات تحقيقاتها في ملابسات الرحلة.
وهنا تظهر الوجهة الأوروبية في صورتها الأكثر تعقيداً، فعبور الحدود ليس نهاية الرحلة، وإنما بداية مرحلة أخرى: تسجيل الهوية، وفحص الوضع القانوني، وتحديد مسار طلب الحماية أو العودة، وإدارة الإقامة في مرافق الاستقبال، وكلها عمليات تخضع للقوانين اليونانية والأوروبية.
ليست نقطة على الخريطة
ولا يمكن النظر إلى وجود عشرة قاصرين بين أفراد المجموعة باعتباره تفصيلاً ديموغرافياً فقط. وجود القاصرين في رحلات بحرية قصيرة لا يلغي المخاطر التي سبقت الوصول، بل يذكّر بأن شبكات التهريب لا تتعامل مع فئات متجانسة. رجال ونساء وأطفال يركبون القارب نفسه، لكن دوافعهم وظروفهم قد تكون مختلفة جذرياً، كما أن حاجاتهم بعد الوصول تختلف أيضاً.
وفي الوقت نفسه، تكشف الواقعة عن مفارقة أخرى تخص التعاون بين تركيا واليونان، فالمسار القادم من تركيا شهد، بحسب تغطيات حديثة، انخفاضاً واضحاً في السنوات الأخيرة، في وقت تزايدت فيه أهمية الطريق القادم من شرق ليبيا إلى كريت، وهذا يعكس أن تشديد الرقابة أو تحسين التنسيق بين الدول قد يغيّر جغرافيا طرق الهجرة، لكنه لا يلغي بالضرورة الحاجة التي تدفع الناس إلى عبور الحدود، وهكذا قد تختفي قوارب من شاطئ لتظهر أخرى في مكان مختلف، وقد يضعف طريق ليفتح طريق جديد، وقد تتغيّر الجزيرة التي يصل إليها الناس، لكن السؤال يبقى نفسه: لماذا يختار شخص أن يضع حياته في قارب صغير بدل أن يبقى حيث هو؟ فارماكونيسي، في هذه الحالة، ليست مجرد نقطة على الخريطة. إنها مكان يختصر المسافة بين الشرق والغرب، بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وبين حياة قرر أصحابها مغادرتها ومستقبل لا يزال مجهولاً بالنسبة إليهم
41شخصًا وصلوا. 40 نُقلوا إلى مركز الاستقبال. اثنان احتاجا إلى العلاج، وأحد عشر؟ لا، عشرة قاصرين كانوا ضمن المجموعة. لكن وراء هذه الأرقام توجد 41 حكاية لا نعرف عنها شيئاً تقريباً حتى الآن. لا نعرف من أين جاء هؤلاء الأشخاص، ولا لماذا غادروا، ولا ماذا دفعوا للمهرّبين، ولا ما الذي ينتظرهم في الأيام المقبلة. ما نعرفه فقط أن طريق بحر إيجه لم يغلق. لقد تغيّر، والمسارات قد تتبدّل، والقوارب قد تتغيّر، والجزر التي يظهر فيها المهاجرون قد تتغيّر، لكن البحر نفسه يبقى شاهداً على حقيقة أكثر صعوبة من الأرقام: طالما بقيت أسباب الرحيل في بلاد ينهشها الاستبداد والديكتاتوريات والعسف الديني والاقتصادي والاجتماعي والفقر والنهب المنظّم قائمة، سيظل البحر يحتفظ بدوره كطريق محفوف بالمخاطر نحو أوروبا.
